من هاتين الصورتين بعد ثبوته؟ أما في الأولى فبالاجماع وأما في الثانية فعند أصحابنا ومن وافقهم خلاف الشافعي ومن وافقه نعم، اللهم إلا أن يخرج شيء من هذا بالنص، كبقاء الصلاة في حق من سبقه الحدث حتى جاز له البناء، كما هو قول أصحابنا للنص الوارد في ذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم، رواه ابن ماجة وغيره. ولا نص هنا على جواز البقاء مع صفة المسجدية، فيقلع.
تنبيه: وما ذكره غير واحد من المشايخ من أنه لو غرس شجرة في المسجد للمسجد فهي للمسجد أو ثمرتها للمسجد ونحو هذا من العبارات المفيدة لهذا المعنى، لا يفيد أنه يحل غرس الاشجار فيه من غير حاجة شرعية وأنه يحل إبقاؤها فيه كذلك، وإنما هو لإفادة هذا الحكم له لو وقع. ولا يلزم من مجرد الوقوع الحل الشرعي له، إذ ليس كل واقع حلالا، وكم في الفروع من نظائر له، كإعطاء حكم الزيادة المتولدة من العين المغصوبة إذا أدى قيمة العين الغاصب أنها له أو لمالك العين الأول، فإنه لا يستدل على أن الغصب حلال، إلى غير ذلك مما يطول تعداده.
على أنه لو سلم إشعار المذكور يحل الإبقاء في الجملة، فليحمل المذكور على الواقع الجائز بأن كان في مسجد ذي نز والاسطوانات لا تثبت إلا بذلك فإن الغرس بهذا يخرج عن الحظر ابتداء [؟] لأنه من باب عمارة المسجد، وتلك الاشجار لا تخرج عن كونها زيادة في أسطوانات له محتاج إليها، فلا يمسه النص المذكور ولا القاعدة الشائعة جميعا بين إشارة كلامهم وصريح عبارتهم، إذ هو أولى من إبطال أحدهما، على أنه لو ذهب ذاهب إلى قيام التعارض مع عدم تأتي الجمع بينهما كما ذكرنا لقِدم عدم الجواز على الجواز، لِما عرف في الأصول من تقديم العبارة، وهي هنا عدم الجواز، على الاشارة وهي هنا الجواز، وخصوصا في هذه المسئلة، فإن العبارة على وفق يقتضي الدليل الشرعي بخلاف الإجارة.
ثم مما أوضحناه من النص والقاعدة، عُرف أنه لا يقال: لم لا يجوز البقاء نظرا إلى ما يؤول إليه غرسها من انتفاع المسجد بثمرتها، وإن كان الإبتداء غير جائز، مع أن هذا في نفسه كلام فاسد الاعتبار، كما يعرفه من يعرف الاصول، فإن من المعلوم أن المسجد ما وضع للاستغلال، وأن فعل هذا مناف لوضعه شرعا. على أنه غير خاف بقليل تأمل، أن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى استغراق المسجد أو أكثره بالغرس، بواسطة كثرة نوادر الغارسين فيه، فيؤدي إبقاء ذلك فيه إلى جعله بستانا ونحوه. وما أظن أن أحدا من أئمة الدين يقول به.
ثم يلزم تعين هذا أنه إذا بنى بان في المسجد للمسجد ما يستغل منه، من نحو دكان، أنه يبقى فيه لهذا القصد، وأنه إذا أشغل شاغل بقعة منه بأمتعة ونحوها، أنه يبقي ذلك بأجرة مثلها، فإن كلا من هذه الأمور لا يجوز إحداثه ابتداء. وحيث جاز البقاء في الأول للانتفاع بالثمرة يجوز في هذين للانتفاع بالغلة، إذ المشاركة في الغلة توجب المشاركة في الحكم، بل يكون الجواب في هذين بطريق الأولى، فإن الثمرة موهمة الحصول في الشجرة بعد حين، فإن كثيرا من الأشجار لا تخرج الثمرة