فهرس الكتاب
المبحث الثاني
الاحتكار
الاحتكار هو"إشتراء الطعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء" [1] [23] ، أو"رصد الأسواق انتظارا لارتفاع الأثمان" [2] [24] ، أو"إشتراء القوت وقت الغلاء وإمساكه وبيعه بأكثر من ثمنه للتضييق" [3] [25] ، أو"كل ما أضر بالناس حبسه فهو احتكار" [4] [26] . وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الاحتكار بقوله:"لا يحتكر إلا خاطئ" [5] [27] . وشدد على عدم التضييق على الناس بأقواتهم فقال"من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه" [6] [28] . وحث على الجلب وهو عكس الاحتكار فقال:"الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" [7] [29] . و للغزالي نظرة شاملة في تفسير الإتجار بالأقوات الضرورية بقصد احتكارها، وبين أن الإنسان أهم من المال. فذكر في كتابه إحياء علوم الدين أن"التجارة في الأقوات مما لا يُستحب لأنه طلب ربح، والأقوات أصول خلقت قواما، والربح من المزايا، فينبغي أن يطلب الربح فيما خلق من جملة المزايا التي لا ضرورة للخلق إليها" [8] [30] .
والاحتكار سواءً كان على مستوى الفرد أو الجماعة أو المنظمات فهو منهي عنه (كسلوك بعض النقابات أو الاتحادات المهنية كالكارتل [9] [31] والتروست [10] [32] ) مما يتوجب على القائم بأعمال السوق منعه. وهذا ما بيّنه ابن تيمية بقوله: فمنع البائعين الذين تواطؤوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولًا، وكذلك منع المشترين إذا تواطؤوا على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولًا [11] [33] . وذكر أيضا الاحتكار الصناعي والزراعي والإنشائي فقال:"ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية". ووصف هذا السلوك بالعدوان وهو أعظم من التعدي على سوق بعينه كتلقي الركبان أو بيع النجش.
ويترتب على القائم بأعمال السوق التصدي لمثل هذه التكتلات، كما يترتب عليه إجبار الناس على القيام بمثل هذه الأعمال لكفاية الناس من الحاجة لغيرهم. وهذا يعتبر من ضوابط إدارة السوق والمنظمات التسويقية. فقد روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - دخل السوق ذات مرة ولم ير فيه إلاّ النبط (الأجانب) ، فلما اجتمع الناس أخبرهم بذلك وعذلهم (لامهم) في ترك السوق. فقالوا: إن الله أغنانا عن السوق بما فتح علينا. فقال - رضي الله عنه: والله لئن فعلتم (أي تركتم السوق) ليحتاج رجالكم إلى رجالهم ونساؤكم إلى نسائهم. وهذا دلالة على مدى تدخل القائم على السوق فهو يحلل ويتوقع فينصح ويرشد خشية الوقوع في المفاجآت. ولقد أدرك عمر - رضي الله عنه - مدى أهمية استقلالية الأسواق فقال مقالته تلك.
(1) 23 ابن عابدين، رد المحتار، جزء 5 ص 255.
(2) 24 الدريدر، أحمد بن محمد، الشرح الصغير، جزء 1 ص 639.
(3) 25 ابن قدامة، المغني، جزء 4 ص 244.
(4) 26 الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 2، ص 314.
(5) 27 [سنن ابن ماجة: 2145]
(6) 28 [مسند أحمد: 4648]
(7) 29 [سنن ابن ماجة: 2144]
(8) 30 الغزالي، إحياء علوم الدين، مرجع سابق، ص 69.
(9) 31 هي تجمعات احتكارية رأسمالية تتقاسم السوق الداخلية بسيطرتها المطلقة تقريبا على كل إنتاج البلاد. نقلا عن الموسوعة الاقتصادية لمجموعة من الاقتصاديين، دار ابن خلدون ببيروت 1980، ص 407.
(10) 32 شكل من أشكال الاحتكارات تتكون من تشكيلة مالية تسيطر على أسهم شركات معينة وتحولها إلى هيئة تشرف عليها مما يحول هذه الشركات إلى المجموعة المسيطرة على الهيئة مثل التروستات التي تجمع شركات تنتج المواد الأولية وتدير المصانع وتنتج منتجات نهائية وشبه نهائية. نقلا عن الموسوعة الاقتصادية، مرجع سابق، ص 136.
(11) 33 ابن تيميه، مرجع سابق ص 25.