فهرس الكتاب
والحق أن التساهل المذكور لا ينبغى أن يتطرق إلى الأسانيد الواهية والموضوعة والباطلة والمنكرة، وإلا لتهدمت قواعد وشرائط أداء وتحمل الروايات، وأهمها عدالة الرواة وضبطهم، وهذا معلوم من مذهب الإمام ابن مهدى نفسه، فقد كان شديد الإنتقاد للرواة، واسع المعرفة بدقائق علل الأحاديث. وعلى هذ العمل عند جماهير أهل العلم بالحديث: كالعز بن عبد السلام، وأبى عمرو بن الصلاح، وتقى الدين بن دقيق العيد، وتقى الدين على بن عبد الكافى السبكى، وتقى الدين أحمد بن تيميه، وشمس الدين بن القيم، وعماد الدين أبى الفداء بن كثير، وزين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقى، وشمس الدين الذهبى، وابن حجر، والسخاوى، والسيوطى، وجماعة لا يحصون كثرة. وتحرير القول في هذا المهيع الصعب، ما نظمه الحافظ زين الدين العراقى فى (( التبصرة والتذكرة ) ):
فإن يُقلْ يُحتجُّ بالضعيفِ فَقُل إذا كانَ من الموصوفِ
رواتُه بسوء حفظٍ يُجبرُ بكونه من غيرِ وجهٍ يُذكرُ
وإن يكنْ لكذبٍ أو شذَّا أو قَوِىَ الضُّعفُ فلم يُجبرْ ذَا
وهذا الذى حرره ـ رحمه الله ـ هو حد الحديث الحسن عند الإمام الترمذى. فهذا النوع من الحديث ـ يعنى الحسن عند الترمذى ـ، أو الضعيف المنجبر عند العراقى، هو الذى عناه الإمام عبد الرحمن بن مهدى، وأحمد بن حنبل، والترمذى، والبيهقى، والبغوى، وغيرهم ممن تساهلوا في أسانيد الرقائق والزهد، والدعوات وفضائل الأعمال، وقالوا بجواز العمل به.
وقد حرَّر الحافظ ابن حجر العسقلانى هذا المعنى تحريرًا بالغًا، فيما ذكره عنه الحافظ السخاوى فى (( القول البديع ) ) (ص 258) : (( سمعت شيخنا ـ يعنى ابن حجر ـ مرارًا يقول، وكتبه لى بخطه: إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة:
(1) أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج هذا القيد الكذَّابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه.