الصفحة 12 من 59

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » (1) .

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » (2) .

(1) -صحيح البخارى برقم (38 ) وصحيح مسلم برقم (1817 )

حاشية السندي على ابن ماجه - (ج 3 / ص 414)

هَذَا وَأَمْثَاله بَيَان لِفَضْلِ هَذِهِ الْعِبَادَات بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَلَى الْإِنْسَان ذُنُوب يُغْفَر لَهُ بِهَذِهِ الْعِبَادَات أَيْ إِنْ كَانَتْ فَلَا يَرِد أَنَّ الْأَسْبَاب الْمُؤَدِّيَة إِلَى عُمُوم الْمَغْفِرَة كَثِيرَة فَعِنْد اِجْتِمَاعهَا أَيّ شَيْء يَبْقَى لِلْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا حَتَّى يُغْفَر بِهِ إِذْ الْمَقْصُود بَيَان فَضِيلَة هَذِهِ الْعِبَادَات بِأَنَّ لَهَا عِنْد اللَّه هَذَا الْقَدْر مِنْ الْفَضْل فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِنْسَان ذَنْب يَظْهَر هَذَا الْفَضْل فِي رَفَعَ الدَّرَجَات كَمَا فِي حَقّ الْأَنْبِيَاء الْمَعْصُومِينَ مِنْ الذُّنُوب

وفي شرح ابن بطال - (ج 7 / ص 176)

قال ابن المنذر: معنى قوله: « إيمانًا » يعنى: تصديقًا أن الله فرض عليه الصوم، واحتسابًا لثواب الله عليه، وقد تقدم هذا المعنى.

وقوله: « غفر له ما تقدم من ذنبه » قول عام يُرجى لمن فعل ما ذكره في الحديث أن يغفر له جميع الذنوب: صغيرها وكبيرها؛ لأنه لم يستثن ذنبًا دون ذنب،

(2) - صحيح البخارى برقم (1901 )

وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 6 / ص 139)

قَوْلُهُ: ( وَمَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )

زَاد أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد بْن سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ"وَمَا تَأَخَّرَ"وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد أَيْضًا عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِدُونِهَا أَيْضًا ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ سُفْيَان عَنْهُ ، وَتَابَعَهُ حَامِد بْن يَحْيَى عَنْ سُفْيَان ، أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ فِي"التَّمْهِيدِ"وَاسْتَنْكَرَهُ ، وَلَيْسَ بِمُنْكَر ، فَقَدْ تَابَعَهُ قُتَيْبَة كَمَا تَرَى ، وَهِشَام بْن عَمَّار وَهُوَ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي عَشَر مِنْ فَوَائِدِهِ ، وَالْحُسَيْن بْن الْحَسَن الْمَرْوَزِيّ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الصِّيَام لَهُ ، وَيُوسُف بْن يَعْقُوب النَّجَاحِي أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر الْمُقْرِي فِي فَوَائِدِهِ كُلّهمْ عَنْ سُفْيَان ، وَالْمَشْهُور عَنْ الزُّهْرِيِّ بِدُونِهَا . وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد مِنْ وَجْهَيْنِ وَإِسْنَاده حَسَن . وَقَدْ اِسْتَوْعَبْت الْكَلَامَ عَلَى طُرُقِهِ فِي كِتَابِ"الْخِصَال الْمُكَفِّرَةِ ، لِلذُّنُوبِ الْمُقَدَّمَةِ وَالْمُؤَخَّرَةِ"وَهَذَا مُحَصَّلُهُ . وَقَوْلُهُ"مِنْ ذَنْبِهِ"اِسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيع الذُّنُوبِ ، إِلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَاب الْوُضُوء وَفِيَّ أَوَائِل كِتَاب الْمَوَاقِيت . قَالَ الْكَرْمَانِيّ: وَكَلِمَة"مِنْ"إِمَّا مُتَعَلِّقَة بِقَوْلِهِ"غُفِرَ"أَيْ غُفِرَ مِنْ ذَنْبِهِ مَا تَقَدَّمَ فَهُوَ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ ، أَوْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَفْعُولٌ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَيَكُونُ مَرْفُوع الْمَحَلّ .

وفي شرح ابن بطال - (ج 7 / ص 22)

قوله: « إيمانًا » ، يريد تصديقًا بفرضه وبالثواب من الله تعالى، على صيامه وقيامه، وقوله: « احتسابًا » ، يريد بذلك يحتسب الثواب على الله، وينوى بصيامه وجه الله، وهذا الحديث دليل بين أن الأعمال الصالحة لا تزكو ولا تتقبل إلا مع الاحتساب وصدق النيات، كما قال عليه السلام: « الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى » ، وهذا يرد قول زفر، فإنه زعم أنه يجزئ صوم رمضان بغير نية، وقوله مردود بهذه الآثار، وإذا صح أنه لا عمل إلا بنية، صح أنه لا يجزئ صوم رمضان إلا بنية من الليل، كما ذهب إليه الجمهور.

وخالف ذلك أبو حنيفة، والأوزاعى، وإسحاق، وقالوا: يجزئه التبييت قبل الزوال، ولا سلف لهم في ذلك، والنية إنما ينبغى أن تكون متقدمة قبل العمل، وحقيقة التبييت في اللغة يقتضى زمن الليل، وروى هذا عن ابن عمر، وحفصة، وعائشة، ولا مخالف لهم، وقد تقدم ما للعلماء في قوله عليه السلام: « الأعمال بالنيات » ، في آخر كتاب الإيمان، في باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت