وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ » (1) .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِى أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْىُ » (2)
(1) - صحيح البخارى برقم (1819 )
وفي شرح سنن النسائي - (ج 4 / ص 101) 2580 -
حَاشِيَةُ السِّنْدِيِّ:
قَوْله ( فَلَمْ يَرْفُث ) بِضَمِّ الْفَاء
( وَلَمْ يَفْسُق ) بِضَمِّ السِّين الرَّفَث الْقَوْل الْفُحْش وَقِيلَ الْجِمَاع وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ الرَّفَث اِسْم لِكُلِّ مَا يُرِيدهُ الرَّجُل مِنْ الْمَرْأَة وَالْفِسْق اِرْتِكَاب شَيْء مِنْ الْمَعْصِيَة وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد نَفْي الْمَعْصِيَة بِالْقَوْلِ وَالْجَوَارِح جَمِيعًا وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَ فَلَا رَفَث وَلَا فَسُوق وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم
( رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه ) أَيْ صَارَ أَوْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبه أَوْ فَرَغَ مِنْ الْحَجّ وَحَمْلُهُ عَلَى مَعْنَى رَجَعَ إِلَى بَيْته بَعِيد وَقَوْله كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه خَبَر عَلَى الْأَوَّل أَوْ حَال عَلَى الْوُجُوه الْآخَر بِتَأْوِيلِ كَنَفْسِهِ يَوْم وَلَدَتْهُ أُمّه إِذْ لَا مَعْنَى لِتَشْبِيهِ الشَّخْص بِالْيَوْمِ وَقَوْله كَيَوْمِ يُحْتَمَل الْإِعْرَاب وَالْبِنَاء عَلَى الْفَتْح وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم .
حَاشِيَةُ السِّيُوطِيِّ:
( مَنْ حَجّ هَذَا الْبَيْت فَلَمْ يَرْفُث ) بِضَمِّ الْفَاء قَالَ عِيَاض: هَذَا مِنْ قَوْله تَعَالَى: فَلَا رَفَث وَلَا فُسُوق ، وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُرَاد فِي الْآيَة الْجِمَاع قَالَ الْحَافِظ اِبْن حَجَر: وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِهِ فِي الْحَدِيث مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَإِلَيْهِ نَحَا الْقُرْطُبِيّ قَالَ الْأَزْهَرِيّ: الرَّفَث اِسْم جَامِع لِكُلِّ مَا يُرِيدهُ الرَّجُل مِنْ الْمَرْأَة وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَخُصّهُ بِمَا خُوطِبَ بِهِ النِّسَاء وَقَالَ غَيْره الرَّفَث الْجِمَاع وَيُطْلَق عَلَى التَّعْرِيض بِهِ وَعَلَى الْفُحْش فِي الْقَوْل
( وَلَمْ يَفْسُق ) أَيْ لَمْ يَأْتِ سَيِّئَة وَلَا مَعْصِيَة
( رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه ) قَالَ الْحَافِظ اِبْن حَجَر: أَيْ بِغَيْرِ ذَنْب وَظَاهِره غُفْرَان الصَّغَائِر وَالْكَبَائِر وَالتَّبِعَات وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الشَّوَاهِد لِحَدِيثِ الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس الْمُصَرِّح بِذَلِكَ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاء فِي قَوْله فَلَمْ يَرْفُث عَاطِفَة عَلَى الشَّرْط وَجَوَابه رَجَعَ أَيْ صَارَ وَالْجَارّ وَالْمَجْرُور خَبَر لَهُ وَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا أَيْ صَارَ مُشَابِهًا لِنَفْسِهِ فِي الْبَرَاءَة عَنْ الذُّنُوب فِي يَوْم وَلَدَتْهُ أُمّه
(2) - صحيح البخارى برقم (525 )
وفي تحفة الأحوذي - (ج 6 / ص 44)
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَمَا مَعَهَا مُكَفِّرَةً لِلْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا لَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا مُكَفِّرَةٌ لِلْفِتْنَةِ فِي الْأَهْلِ وَالصَّوْمَ فِي الْوَلَدِ إِلَخْ . وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مَعَ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْبَشَرِ أَوْ الِالْتِهَاءُ بِهِمْ أَوْ أَنْ يَأْتِيَ لِأَجْلِهِمْ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَوْ يُخِلَّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ . وَاسْتَشْكَلَ اِبْنُ أَبِي جَمْرَةَ وُقُوعَ التَّكْفِيرِ بِالْمَذْكُورَاتِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبِ ؛ لِأَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسْقِطُ ذَلِكَ ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَكْرُوهِ وَالْإِخْلَالِ بِالْمُسْتَحَبِّ لَمْ يُنَاسَبْ إِطْلَاقَ التَّكْفِيرِ . وَالْجَوَابُ اِلْتِزَامُ الْأَوَّلِ وَإِنْ اِمْتَنَعَ مِنْ تَكْفِيرِ الْحَرَامِ وَالْوَاجِبِ مَا كَانَ كَبِيرَةً فَهِيَ الَّتِي فِيهَا النِّزَاعُ وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا نِزَاعَ أَنَّهَا تُكَفِّرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } الْآيَةَ وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْفِتْنَةُ بِالْأَهْلِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِنَّ أَوْ عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَةِ وَالْإِيثَارِ حَتَّى فِي أَوْلَادِهِنَّ ، وَمِنْ جِهَةِ التَّفْرِيطِ فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لَهُنَّ ، وَبِالْمَالِ يَقَعُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنْ الْعِبَادَةِ أَوْ بِحَبْسِهِ عَنْ إِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ ، وَالْفِتْنَةُ بِالْأَوْلَادِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إِلَى الْوَلَدِ وَإِيثَارِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَالْفِتْنَةُ بِالْجَارِ تَقَعُ بِالْحَسَدِ وَالْمُفَاخَرَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ فِي الْحُقُوقِ وَإِهْمَالِ التَّعَاهُدِ ثُمَّ قَالَ وَأَسْبَابُ الْفِتْنَةِ بِمَنْ ذُكِرَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ . وَأَمَّا تَخْصِيصُ الصَّلَاةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا بِالتَّكْفِيرِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِ قَدْرِهَا ، لَاتُّقِيَ أَنَّ غَيْرَهَا مِنْ الْحَسَنَاتِ لَيْسَ فِيهَا صَلَاحِيَّةُ التَّكْفِيرِ ، ثُمَّ إِنَّ التَّكْفِيرَ الْمَذْكُورَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ بِنَفْسِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ بِالْمُوَازَنَةِ . وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ
وفي مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 2 / ص 427)
وَالذَّنْبُ لِلْعَبْدِ كَأَنَّهُ أَمْرٌ حَتْمٌ . فَالْكَيِّسُ هُوَ الَّذِي لَا يَزَالُ يَأْتِي مِنْ الْحَسَنَاتِ بِمَا يَمْحُو السَّيِّئَاتِ . وَإِنَّمَا قَدَّمَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ"السَّيِّئَةَ"وَإِنْ كَانَتْ مَفْعُولَةً لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا مَحْوُهَا لَا فِعْلُ الْحَسَنَةِ فَصَارَ { كَقَوْلِهِ فِي بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ: صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ } . وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْحَسَنَاتُ مِنْ جِنْسِ السَّيِّئَاتِ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَحْوِ وَالذُّنُوبُ يَزُولُ مُوجِبُهَا بِأَشْيَاءَ: ( أَحَدُهَا ) التَّوْبَةُ . وَ ( الثَّانِي ) الِاسْتِغْفَارُ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ . فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يَغْفِرُ لَهُ إجَابَةً لِدُعَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ فَهُوَ الْكَمَالُ . ( الثَّالِثُ ) الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الْمُكَفِّرَةُ: أَمَّا"الْكَفَّارَاتُ الْمُقَدَّرَةُ"كَمَا يُكَفِّرُ الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ وَالْمُظَاهِرُ وَالْمُرْتَكِبُ لِبَعْضِ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ أَوْ تَارِكُ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ أَوْ قَاتِلُ الصَّيْدِ بِالْكَفَّارَاتِ الْمُقَدَّرَةِ وَهِيَ"أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ"هَدْيٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَصِيَامٍ . وَأَمَّا"الْكَفَّارَاتُ الْمُطْلَقَةُ"كَمَا قَالَ حُذَيْفَةُ لِعُمَرِ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ ؛ يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ . وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ فِي التَّكْفِيرِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمْعَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَسَائِر الْأَعْمَالِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا: مَنْ قَالَ كَذَا وَعَمِلَ كَذَا غُفِرَ لَهُ أَوْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ لِمَنْ تَلَقَّاهَا مِنْ السُّنَنِ خُصُوصًا مَا صُنِّفَ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ .