الصفحة 20 من 35

القائل به والداعي إليه، والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء وإيثار حكم غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفصيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة وادعاء المحتجين بذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز والنفر من الإباضية من بني عمرو بن سدوس ... ولو كان الأمر على ما ظنوه من خبر أبي مجلز أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، فإنما لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكمًا وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها هذه واحدة، وأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية فهذا ذنب تناله التوبة وتلحقه المغفرة وإما أن يكون حكم به متأولًا حكمًا يخالف به سائر العلماء فهذا حكمه حكم كل متأول يستمد تأويله من إقرار بنص الكتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما أن يكون في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر جاحدًا لحكم من أحكام الشريعة أو مؤثرًا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام، فذلك لم يكن قط صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه، فمن احتج بهذين الأثرين (كفر دون كفر) وغيرهما في غير بابها وصرفها إلى غير معناها، رغبة في نصرة السلطان أو احتيالا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لأحكام الله أن يستتاب فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ورضي بتبديل الأحكام فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين) [1] .

ويقول ابن القيم: (وقد جاء القرآن، وصح الإجماع بأن دين الإسلام نسخ كل دين كان قبله، وأن من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل، ولم يتبع القرآن، فإنه كافر، وقد أبطل الله كل شريعة كانت في التوراة والإنجيل وسائر الملل، وافترض على الجن والإنس شرائع الإسلام، فلا حرام إلا ما جرمه الإسلام، ولا فرض إلا ما أوجبه الإسلام) [2] .

ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به في العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} .

(1) انظر: (فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام) . (ص 130/ 131) .

(2) انظر: (أحكام أهل الذمة) (1/ 259) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت