الصفحة 3 من 25

تدور فكرة الكتاب حول بيان ما أصاب عقيدة معظم المسلمين اليوم من خلل بسبب تأثرهم بفهم منحرف يقوم على عقيدة الإرجاء، والتي بُنيت على فصل العمل عن الإيمان، وأن هذا الفهم السقيم أنتجته أسباب تاريخية، كان من أبرزها التصدي لفكر الخوارج الذي أوجد مناخًا للفتن والشرور بسبب ما وقع فيه من جريمة تكفير أعيان المسلمين وما تبعه من استحلال دمائهم، وما جرّه على الأمة من مصائب ونكبات.

على أن رؤوس المرجئة لم يهتدوا إلى الطريق الصحيح في مواجهة الانحراف، بل وقعوا في فتنة أشد، وسلكوا طريقًا أكثر انحرافًا وشرًا، وأن الأمة - في زمن انحطاطها الذي نعيشه اليوم - تلقفت هذا الفهم المنحرف وتمثلته اعتقادًا وواقعًا، فحين ذهبت تفرط، وتتفلت من واجب الامتثال للأوامر الشرعية، وتستسلم للشهوات والدعة والكسل والإهمال، وترك ما يشق على النفوس الضعيفة، حين تردت هذا التردي وجدت في الإرجاء متنفسًا لها من أي لوم، وتفسيرًا مريحًا يبرر لها تراخيها وتفريطها، وصارت تعتقد أن التصديق القلبي المجرد من العمل هو حقيقة الإيمان، وأصبح معنى كون الصلاة والصيام والزكاة والحج أركانًا للإسلام هو اعتقاد وجوبها والإقرار به وإن لم يعمل من ذلك شيئًا.

فالكتاب بحق عظيم القيمة، كبير الفائدة، خطير الأثر، ذلك بأنه يأتي في وقت يحصد فيه أعداء الإسلام ثمار الضعف والانهيار الحاصل في جنبات الأمة، ذلك الضعف الذي كان من أهم أسبابه سريان الفكر الإرجائي في المسلمين سريان النار في الهشيم، حيث تركوا العمل، فإذا الأمة التي كانت عاملة مجاهدة قائمة بأمر الله عزيزة القدر بين الأمم، مهابة الجانب من عدوها، ماضية باسم الله تنشر العدل والخير والهداية للعالمين، إذا بها تهمل أسباب ذلك العز، وتتخلف عن مقومات ذلك السؤدد، وهو العمل، المتمثل في القيام بكل ما أوجب الله عليها، من عبادات وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، واستقامة تامة على نهج الإسلام، كان ذلك .. فإذا بها تعصي الله، وتجاهر بالعصيان، وتترك شرعه، فتذهب خيريتها التي كانت صفتها الأصيلة بنص القرآن، ويتبلد حسّها الذي كان مرهفًا بالإيمان، وتزل قدمها التي طالما استقامت على الطاعة، فتبدل حالها، فحقت فيها سنة الله، فإذا عزها ذل، وهيبتها مهانة، وقوتها ضعف.

فالكتاب يمثل دراسة علمية رصينة عميقة موفقة من عالم موفق، يتحسس به مواطن الداء في الأمة، فيشخصه أحسن تشخيص وأدقه، ويصف الدواء كأمهر الأطباء وأخلصهم، فلله دره، ما انقضى بعد نهل النخبة الواعية من الدعاة من كتابه الفذ"العلمانية"حتى كان هذا الكتاب"ظاهرة الإرجاء"الذي يمثل مع توأمه"العلمانية"ورقة عمل لبرنامج العودة الواعية المبصرة القوية للأمة إلى دينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت