الحمد لله مذلل الصعاب، خالق البحر العباب، جعل التذكرة نافعة لأولي الألباب، والصلاة والسلام على خير البرية الذي عم نوره الأرض فأضاءها كالقمر لا كالشهاب، ونال من رحمته كل شيء حتى أمة الكلاب [192] وعلى كل الآل والأصحاب، صلاة وسلامًا تنال ثوابها إلى يوم فصل الخطاب.
وبعد ...
فهكذا مضينا في جولة مع التاريخ، نستقرأ أحداثه ونسجل شهادته، ونتتبع مسألة خيانة الشيعة الغالية؛ فوجدناها من الكثرة بحيث لا نستطيع إحصاءها، فضربنا أمثلة واقتطفنا من سجلات التاريخ قطوفا، وكيف نستطيع إحصاء خياناتهم والخيانة في دمائهم وعروقهم، وهي لهم كالماء والهواء، ففي كل يوم لهم خيانات، وما ذكرناه من أمثلة ليس إلا بعض ما ذاع أمره واشتهر خبره، وخرج من حيز السر إلى العلانية، وأما ما يتواصون بكتمانه فالله أعلم بكثرته .. وما كان هذا البحث إلا بمثانة نداء حتى لا يخدع - أو يبقى على خداعه - أحد من أهل السنة؛ وليعرف أن القوم هم سبب انتكاسات الأمة قديمًا وحديثًا في أكثر الأحسان، وليفيق من ينادي بالتقريب، وليعلم أن القوم لا يريدون من مؤتمرات الدعوة إلى التقريب إلا تقريب السنة إلى التشيع، ولعل من طريف ما يذكر أنه في مؤتمر التقريب المنعقد بالقاهرة في الفترة من 8 - 11 ربيع الأولى 1422هـ قام أحد علماء الشيعة وهو يتحدث عن التقريب فاقترح أن تنزع مصر الحد عن المذاهب الإسلامية التي تعتمد نفسه الأصول والمعتقدات [193] ، بمعنى أن يقترح نشر المذهب الشيعي في مصر زعمًا بأنه لا يخالف المذاهب الأربعة السنية في الأصول - وهذا كذب - فالشاهد أن الأمر جد خطير وواضح في ذات الوقت، فأهدافهم من التقريب لا تعدو هدفين: الأول: تحذير أهل السنة وتنييمهم [194] . والثاني: تشييع أهل السنة.
وأظن أن بعد كل هذا لا يصح لأحد ممن يأخذون الأمور بالعاطفة لا بالعقل والحكمة والنظر في عواقب الأمور - أن يقول بإمكان التقارب مع من خانوا الله ورسوله، وانتهكوا حرمة الرعيل الأول - الذين نصر الله بهم الإسلام، وقدموا للدين والأمة خدمات جليلة لا ينكرها عليهم إلا جاحد - كيف التقارب مع من لم يرقبوا في المؤمنين إلا ولا ذمة، إن أَرضونا أرضونا بأفواههم، ولكن تأبي قلوبهم؟ كيف التقارب مع من تحالفوا مع شياطين الإنس والجن قديمًا وحديثًا لإذلال أهل السنة، وكم خسرت الأمة الإسلامية وانتكست بسبب غدر القوم وخيانتهم ولم يعد هناك وقت لما يسميه بعض سذج أهل السنة - (حسن الظن) فإننا أمام قوم يتربصون بنا الدوائر، وأظن حتى الذين يدعون إلى حسن النية وإحسان الظن بالشيعة لم يعد خافيا عليهم ضلالات القوم وخيانتهم، فليقرءوا عن أطماع الشيعة في بلاد الخليج، بل في بلاد الحجاز، بل في مصر على وجه الخصوص التي يرونها مهد الدولة الفاطمية التي أسهمت بأكبر نصيب في تحقيق أمجاد الشيعة، وجعلت دولة موحدة من المغرب إلى مصر.
وقد يقول قائل: إن هذا يعني الالتفات إلى خطر الشيعة الغالية والغفلة عن خطر الصليبية والصهيونية .. وغير ذلك؟
والجواب على هذا: لا.
لأن المسلم المفترض أنه كيس فطن، حذر متيقظ لكل ما يراد به، مستعد لكل جبهة، وقد يكون في آن واحد وكم خاضت الدولة الإسلامية قديمًا حروبًا فيها عدة جبهات متصلة في آن واحد فلم تشغلهم جبهة عن جبهة ولا عدو عن عدو.
وأخيرًا أذكر بأن هذا البحث البسيط ما كان إلا من باب ما قاله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:"الكلام في أهل البدع أحب إلي من بعض النوافل"فكشفهم وفضحهم حتى لا يغرروا بالمسلمين هو بإذن الله من القرب.
ومن قبيل ما حكاه الإمام البزار عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال:"ولقد أكثر رحمه الله من التصنيف في الأصول فسألته عن سبب ذلك، والتمست منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته؛ ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه:"
الفروع أمرها قريب ومن قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلدين جاز له العمل ما لم يتيقن خطأه.
وأما الأصول فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء .. قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال وبان لي أن كثيرًا منهم إنما قصد إبطال الشريعة المحمدية الظاهرة العلية على كل دين .. فلما رأيت الأمر كذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم وقطع حججهم وأباطيلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم ويزيف دلائهم ذبًا عن الملة الحنيفة والسنة الصحيحة الجليلة" [195] ."
والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل المسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم.
كتبه الفقير إلى عفو الرحمن
عماد علي عبد السميع حسين
غفر الله له ولوالديه والمسلمين
21 / جمادى الآخر / 1424هـ
[192] وفي الحديث عند البخاري".. لولا أن تبيد أمة لأمرت بالكلاب فقتلت".
[193] مجلة منبر الإسلام (ص119، 120) عدد جمادى الأولى 1422هـ - أغسطس 2001م.
[194] وهذا وفق مبدأ التقية الذي يدينون به.
[195] الحافظ عمر بن علي البزار: الأعلام العليا في مناقب ابن تيمية (ص35، 36) ط المكتب الإسلامي - بيروت 1396هـ.