هذا الدنو، وبمثل هذا الضعف، حينئذٍ تكون همته عرجاء، وتكون نفسه كسيحة، لا تخطو نحو أهدافها.
الإسلام عظيم، يحتاج إلى نفوسٍ عظيمة.
لا بدّ أولًا أن تعرف ما هي أهداف الإسلام؟
انظر إلى الكلمات الأولى التي كان يطلقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن يريد اتباعه، يقول لهم:"قولوا هذه الكلمة، تدين لكم بها العرب، وتدفع العجم لكم الجزية".
حين تقع هذه الكلمات الجليلة على قلب من يؤمن بدعوة هذا النبي العظيم، فإنه يعرف أنّ همّه يملأ الكون، وأن إرادته لا يحدّها حدّ.
ليست القضية هي مكة، وأي شخص مثل بلال الذي لا يقدر أن يتحكم في ثيابه، ولا في لقمة خبزه، ولا يتحكم في مشربه، ولا يقدر أن يقرر قرارًا بزواجٍ أو طلاق؛ أن تقع هذه الكلمات منه ليكون أمره لا يتعلق بطواغيت قريش، ولا بأسيادها ولا بكبرائها، وقريش هيَ من هِي، إذ سميت بقريش لأنها القبيلة التي تأكل القبائل، مقارنة لها بدابّةِ البحر"القرش". قالوا:"قريش"اسمها أُخذ من دابة في البحر، تأكل مثيلاتها من الحيتان والأسماك؛ فقريش كذلك سمكة عظيمة، حكمت أم القرى، وأكلت غيرها من القبائل.
بلال ... تُلقى على مسامعه"إن قلت هذه الكلمة ستدين لك العرب، وتدفع العجم لك الجزية"حينئذٍ لا يكون حده مكة حتى مع بداية أمره.
وتلك الكلمات لم تقل بعد أن صار للمسلمين دولة، وصار لهم صولة، وصارت لهم حكومة؛ كانت هذه الكلمات تتردد أصداؤها في نفوسهم، وهم الواحد تلو الواحد، والفرد مع الفرد -واحد واثنين، رابع أربعة وخامس خمسة وهكذا- قلّة يربّون منذ أول الأمر: أنكم أنتم سادة العالم، وأنكم أنتم قادة الشعوب، وأنكم أنتم أصحاب القرارات.
وإذا كانت النفوس كبارا *** تعبت في مرادها الأجسام