الصفحة 25 من 88

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أمر عباده بالعدل والإحسان، ونهاهم عن الظلم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا الله الحكيم الخبير العليم القدير، الذي لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهو بكل شيء محيط، نحمده ونشكره على نعمه التي لا تحصى، فلهُ الحمدُ في الآخرة والأولى.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أرسله بالهدى ودين الحق، فما ترك من خير إلا وأرشد الأمة إليه وهداها إلى الأخذ به، ولا شرًّا إلا وحذر الأمة منه وأمرها باجتنابه، صلى الله وسلم عليه وعلى صحابته ومن سار على طريقتهم واتبع نهجهم إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن من أهم المهمات وأفضل القربات التواصي بالحق والصبرِ عليه، والأخذَ على يد الباغي المعتدي والحجرَ عليه وأطرَه على الحق أطرًا؛ ليكون رضى الله حليفَنا؛ فنحقق النصر والتمكين الذي هو غاية أهل الجهاد وطالبي تحكيم شريعة رب العباد؛ فإن ما يحبه الله مقدم على ما سواه، ومن ذلك: التحذير مما يخالف محبوبَ الرب -عز وجل- من المناهي والمحرمات المختلفة؛ التي تبعد العبد عن رحمة الرب جل في علاه؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهما مصلحة الجهاد وأهله، بل الأمة بأسرها تصلح بهذا الباب المهم من أبواب الشريعة، وبتحقيقهما يكثر الخير وتظهر الفضائل، وفي إهمالهما فساد الأمة وعطبها، وبالتهاون عنهما يكثر الشر ويقل الخير ويظهر الفساد في الأرض، وقد أوضح الله -سبحانه وتعالى- منزلةَ هذا الواجب العظيم في الإسلام، حتى إنه -سبحانه وتعالى- قدَّمه ذِكْرًا على الإيمان الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام، كما في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ، وكفى بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عِظَمًا وشرفًا أن قدَّمهما الله ذِكْرًا على الإيمان القلبيِّ به وهو الأصل وهما شعبتان، ومما يُلتمَس في سرِّ هذا التقديم تشريف هذا الواجب العظيم، والإشارة إلى ما يتحقَّقُ منه من المصالح العظيمة الدينية والدنيوية، ومنها تمام الإيمان وانتشاره، ومنه أيضًا ما ذكره البيضاوي -رحمه الله- في تفسيره من أن الله -سبحانه- قصد بذِكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيمانًا بالله وتصديقًا به وإظهارًا لدينه، وإظهار دينه هو من الوجه السابق، ومنها أيضًا أن الإيمان الواجب للفرد لا يتحقَّق إلا بأدائه لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها أيضًا أن المجتمع الذي يستحق أن يوصف بالإيمان الذي تحصل بسببه الخيرات العامة كالأمن الذي ذكره الله تعالى في قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} واجتناب العذاب باللعن وغيره كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت