الصفحة 26 من 88

أشارت إليه آيات وأحاديث، لا يكون إلا بأداء هذه الشعيرة العظيمة، وقد ذكر المفسرون غير هذه الأسباب، والله أعلم.

وإننا نرى حاجة أهل الجهاد لطرق هذا الباب بينهم ماسةً شديدة ولا سيما في الساحة الشامية؛ فإن الوقائع المنكرة التي تحتاج لبيان حكم الله فيها والإنكار على أهلها كثيرة، ومن هنا تأكَّد العمل بهذه الفريضة الربانية؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولقد كان المسلمون في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعهد أصحابه -رضوان الله عليهم- وفي عهد السلف الصالح -رحمهم الله- يعظمون هذا الواجب، ويقومون عليه خير قيام، هذا مع شدة التزام تلك الطبقة المهديَّة بالدين والشرائع وتمايزهم عن الزائغين في عصورهم، بل بهذه الشعيرة الشريفة تمايزوا عنهم، فالحاجة إليه في العصور المتأخرة عنهم أشد وأعظم؛ لقلة العلم وكثرة الجهل بميراث النبوَّة وآثار الرسالة، وزيغ الكثير من الناس عن مصدر التلقي الشرعي لمختلف طبقات المكلَّفين، واتِّباعهم الرؤوس الجهال الذين ضلوا وأضلوا، وزاغوا وأزاغوا، وافتتنوا وفتنوا، وغفلة الكثير من الناس بل وتقصير المكلفين من أهل العلم في القيام على هذا الواجب العظيم، وفي زمننا هذا عظم خطر التقصير في هذه الشعيرة؛ لفشوِّ قسوة القلوب وموتها، وضعف النفوس، ولقلة الدعاة إلى الخير، وكثرة الدعاة إلى الشر، فوا أسفاه من الصدود عن صوت الحق وخفائه على كثير من العوام ومن لا فهم لهم، والإقبال على صوت الباطل وظهوره عند غالب الناس إلا من رحم ربي.

و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأساس الأعظم للدين، والمهم الذي بعث الله لأجله النبيين، ولو أُهمِل لاضمحلت الديانة، وفشت الضلالة، وعم الفساد، وهلك العباد، إن في النهي عن المنكر حفاظ الدين، وسياج الآداب والكمالات، فإذا أهمل أو تسوهل فيه، تجرأ الفساق على إظهار الفسوق والفجور بلا مبالاة ولا خجل) [1] .

وقد ثبت أن فاطمةَ بنت قيس قالت لرسول الله؛ صلى اللهُ عليه وسلم: يا رسول الله إنَّه خطبني معاوية وأبو جهم فقال رسول الله؛ صلى اللهُ عليه وسلم: (أمَّا أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقِه، وأما معاويةُ فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة) [2] ؛ فإذا كان الرسولُ حذَّرَ فاطمةَ منهما وذَكَرَهما في غَيبتهما بما يكرهان وهما من أخيار الناس؛ نصحًا لامرأة في أمر دنياها؛ فكيف بأناس ادَّعوا الجهاد وغشُّوا الناس وجعلوا الإسلام كفرًا، واستحلوا دماء

(1) عبد الله ابن حميد - الدرر السنية 15/ 10.

(2) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت