الصفحة 27 من 88

الموحدين؟! فكيف يسكت من أوتي علمًا عن نصح الناس في أمر دينهم؛ ببيان حال قوم يغشُّون الأمة، ويسيرون بالجهل والأهواء، يكفِّرون الأخيار بالظن والهوى، ويستحلُّون دماء المجاهدين بالخصومات، ويفسدون الجهاد، ويفتنون الأمة عن نصرة المجاهدين؟ ولهذا حذّر الشافعي -رضي الله عنه- من حفص الفرد أمام جمعٍ وبيَّن حكمه أو حكم كلامه -على خلاف- وقال له: (لقد كفرتَ بالله العظيم) [1] ، وروى الحافظُ ابن عساكر في تاريخ دمشق أن الإمام الأوزاعي قال في غيلان أبي مروان الدمشقي المعتزلي بعد أن ناظره أمام الخليفة هشام بنِ عبد الملك وكسَره: (كافر وربِّ الكعبة يا أمير المؤمنين) .

وقال ابن القيم: (فمحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله، وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله؛ فهو من المحبة أخلى، وإن زعم أنه من المحبين، فكذب من ادَّعى محبة محبوبٍ من الناس، وهو يرى غيره ينتهك حرمة محبوبه، ويسعى في أذاه ومَساخطه، ويستهين بحقه، ويستخف بأمره، وهو لا يغار لذلك بل قلبه بارد، فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت، وأقل الأقسام أن يغار له من نفسه وهواه وشيطانه فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقه وارتكابه لمعصيته، وإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة، بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره، وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الحاملة على ذلك، فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر) [2] .

ويقول ابن القيم -رحمه الله- عن شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان شيخنا -رضي الله عنه- شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعلتَ محتسبًا على الفتوى؟! فقلت له: أيكون على الخبازين والطبَّاخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟!) .

وقال ابن حزم: (اتفقت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف بين أحد منهم؛ لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ) [3] .

قال سبحانه وتعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ؛ قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: (فهذه

(1) رواهُ البيهقي في مناقب الشافعي.

(2) روضة المحبين 274.

(3) الفصل في الملل والنحل 2/ 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت