أخرى، قال له ذلك أربع مرات كل ذلك يعطيه ألف درهم، فاستحيا الرجل من كثرة ما يعطيه فخرج، قال: فسأل عنه فقيل: له"رأينا أنه استحيا من كثرة ما أعطي فخرج"، فقال:"أما والله لو أنه مكث ما زلت أعطيه ما بقي منها درهم، رجل ضرب ضربة في سبيل الله حفرت في وجهه") [1] .
9.وقد كان عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- إذا حيَّا ابنَ جعفر بن أبي طالب قال: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) [2] .
وهذه النماذج الطيبة وغيرها من حياة صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما تعكس التوجيهات النبوية لهذه الأمة حيال شهدائها ومصابيها، ومدى تكاتف الصحابة الكرام، وحبهم بعضهم بعضًا، وتكريمهم شهداءهم ومصابيهم، واستشعارهم لعظم أمانة ذوي الشهداء والجرحى من بعدهم.
ثالثا: واجبات الجماعة والمجتمع تجاه عوائل الشهداء وذويهم في كتب الفقه:
سأقتصر في هذا المطلب على ثلاثة مواضع في كتب التراث الفقهي، في كتاب المهذب لأبي إسحاق الشيرازي، والمغني لابن قدامة، وغيرها وذلك على النحو التالي:
1.ما جاء في كتاب المهذب:
قال أبو إسحاق في المهذب:"وينبغي للإمام أن يضع ديوانا يثبت فيه أسماء المقاتلة، وقدْرَ أرزاقهم، لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قدمت على عمر من عند أبي موسى الأشعري بثمانمائة ألف درهم، فلما صلى الصبح اجتمع إليه نفر من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لهم: قد جاء للناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام أشيروا عليَّ بمن أبدأ منهم، فقالوا: بك يا أمير المؤمنين إنك وليُّ ذلك. قال: لا ولكن أبدأ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم الأقرب إليه. فوضع الديوان على ذلك."
ويستحب: أن يجعل على كل طائفة عريفًا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل عام خيبر على كل عشرة عريفًا، ولأن في ذلك مصلحة، وهو أن يقوم على التعريف بأمورهم ويجمعهم في وقت العطاء، وفي وقت الغزو.
ويجعل العطاء في كل عام مرة أو مرتين ولا يجعل في كل شهر ولا في كل أسبوع؛ لأن ذلك يشغلهم عن الجهاد، وربما يقتل أو يؤسر الأخ الذي عَرَف العوائل.
ويقسم بينهم على قدر كفايتهم؛ لأنَّهم كفَوا المسلمين أمرَ الجهاد فوجب أن يُكْفَوا أمر
(1) الأموال لابن زنجويه 2/ 570 - 571، وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه. والمناقب لابن الجوزي ص 74.
(2) صحيح البخاري 5/ 25.