فهرس الكتاب
في 2/ 3/1988 رُحلّت إلى سجن تدمر مع خمسة عشر رفيقًا لا نحمل سوى أقلّ القليل مما بخس وزنه وثمنه، بما في ذلك أجسادنا التي استُبيحت هناك أيّما استباحة، ضربًا وتنكيلًا، بينما كانت في أمسّ الحاجة إلى الترميم واستعادة بعض قواها.
كنا نعتقد أن اعتقالنا، رغم لا مشروعيته، هو إقصاء عن العمل السياسي أي إخراج من ساحة النشاط اليومي، لنكتشف أن معتقل تدمر يعني الإقصاء عن كل ما يصلك بالحياة وتقطيع أواصرك معها. يعني تفكيك الذات الإنسانية عبر العزلة المطلقة والعطالة وتعطيل الحواس. يعني الترقّب المريع، والهلع من المجهول، والعيش في حمأة التوتر اليومي. يعني الشحّ في كل شيء ما عدا التعذيب متعدد الضروب. يعني، باختصار شديد، جهنم من صنع البشر!!!
ما من شك في أن الشروط التي تتوافر عليها السجون العسكرية الثلاثة: (تدمر، المزة، صيدنايا) متفاوتة بين سجن وآخر، بيد أنها جميعًا لا تتناسب والمعايير الدولية؛ ولكن فيما يتعلق بسجن تدمر فإنه يمتاز بافتقاره لأدنى الشروط الإنسانية، حيث أن الطقوس الفظيعة التي تمارس فيه كفيلة بإماتة القطط.
ففي المرحلة الأولى من وجودنا فيه، كنا كمن يقف في حلق هاوية، بلا قرار، عرضة للضرب والتعذيب والإهانات، يكفي أن يُفتح باب المهجع حتى تنهال العصي واللكمات والركلات والقضبان من كل حدب وصوب. ومن يشهد إدخال الطعام أو لحظة الخروج إلى"التنفس"في الباحة يعتقد أنه في ساح الوغى. وما من شك في أن ظروف المعتقلين الآخرين ممن ينتمون إلى حركة الإخوان المسلمين وحزب البعث الموالي للعراق كانت أكثر سوءًا بما لا يقاس. فالاختلاف في التعامل يبرز ليس فقط بين سجن وآخر، وإنما أيضًا بين جماعة وأخرى داخل السجن الواحد، وفقًا للتقديرات السياسية والأمنية والتوصيات العقابية الخاصة بكل مجموعة على حده. كما أن هنالك هامشًا كبيرًا يمكن لمدير هذا السجن أو ذاك التحرّك داخله بحرية، ناهيكم عن أن السجّان بحدِّ ذاته - وهو أداة التنفيذ المباشرة - قادر على التحكّم بهذا الهامش دون حسيب أو رقيب، فهو المعني أصلًا بابتداع وسائله الخاصة في التعذيب وتطبيقها على المعتقلين جسديًا ونفسيًا. وليس مهمًا بالنسبة له أن يرتكب السجين خطأ ما، لأن النتيجة تكاد تكون واحدة في ظل غياب حقوق السجين، وجهله لواجباته التي ينبغي أن يكتشفها بنفسه، ولكن ليس قبل أن يدفع ثمنها غاليًا من دمه وروحه.
إن عددنا القليل جنَّبنا الآثار المرعبة للازدحام الذي كان يعانيه باقي المعتقلين: التوتّر والضغط النفسي وعدوى الأمراض وكميات الطعام التي توزّع على المهاجع دون الأخذ في الاعتبار عدد نزلائه.