فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 711

طالب في المحكمة

كان ممن طلب للمحاكمة شاب حلبي يدعى محمد عقيل وهو طالب ثانوي (19) عامًا قصير القامة، نحيف أسمر الوجه، حيي خجول، كثير الود.

كانت جريمته خطرة فهي (أكلة حمّص) .. كما لخصها من عرف القصة واشتهرت بين المعتقلين بهذا الاسم فكانت أصدق تعبير واقعي عن قصة هذا الشاب البريء.

وتفصيل ذلك أن الأخ محمد خرج مع أستاذه مدرس اللغة العربية وطلاب آخرين في نزهة خلوية إلى قرية المسلمية التي تبعد عن مدينة حلب شمالًا مسافة (10كم) والمشهورة ببساتينها الخضراء ومياهها العذبة .. فتغدوا هناك حمصًا وزيتًا .. !! والشيء الذي أثار عليه رجال الحكم وأقامهم فما أقعدهم، أن هذا المدرس من الإخوان المسلمين، وأنه استشهد في إحدى عمليات التفتيش، لذلك عدَّ الحمّص رابطة تنظيمية أكيدة، واحتسبت هذه الرحلة وهذا الغداء الحمصي جريمة ما بعدها جريمة، وعملًا رهيبًا ضد النظام الأسدي النصيري، ودخل أخونا محمد عقيل المحكمة وانقض عليه الجلاد يقرعه بالكرباج على أمّ رأسه وفقدت أذناه حاسة السمع، وضاعت معالم الأشياء أمام بصره، وكاد يصرع وقدم للقاضي المحترم .. ! فسأله واستجوبه عن الرحلة والغداء فأجاب الأخ بالإيجاب على كل سؤال .. ولم يجد القاضي المحترم لهذه الجريمة سوى (الإعدام) عقابًا!! .. ولم يكتف بهذا الحكم ويسكت عن هذا المسكين فلا يبلغه هذا الحكم المريع كما يفعل مع أكثر المحاكمين، بل كان في أشد الغيظ من هذا الشاب الصغير آكل الحمّص، الهادئ المسكين، فوجهه بالحكم قائلًا: روح إعدام يا .. وأتبعها بكلمات من السباب الرخيص وخرج الأخ من المحكمة، فجلس مع إخوانه في الباحة تحت التعذيب حدثنا بعد مجيئه فقال: أبلغني القاضي حكم الإعدام واقتادني الجلاد إلى الباحة حيث أجلسني مع إخواني، ووالله إني لأشم رائحة الجنة منذ أن قال لي القاضي ما قال، فقد أيقنت أنني قد أصبحت قريبًا من الجنة، وها أنا أشم ريحها وأجد أنسها فلا تهمني دنياكم هذا بشيء، لقد رأيت حلو هذه الدنيا ومرّها فكفاني منها ما رأيت وما علمت كفاني ..

وحدثنا أخ آخر من حلب وهو شاب في الثامنة عشرة من عمره، طالب، يدعى عبد الغني قلاع، (جميل الطلعة، طيب الأخلاق، اشتهر بالشجاعة بين زملائه) أنه لما دخل المحكمة وضرب فيها ونهره القاضي وسبّه وسأله الأسئلة المعهودة يقول: فقرأت في سري قول الله سبحانه (فاقضي ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) .

شاب صغير آخر حكم عليه بالإعدام، فسأله بعضهم: بماذا حكم عليك؟ .. فقال: حكم علي بدخول الجنة بعد شهرين من الزمان، وكان الإعدام يتم غالبًا بعد شهرين من تاريخ الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت