فهرس الكتاب
حال تبين هذا الخطأ، ولكن لم يكن لديه أي قرينة تدعوه إلي التفاؤل ... وبقي علي هذه الحالة من التفكير العميق حتي غلبه الإعياء فتكوم في أرض الزنزانة ونام.
· أول يوم في الانفرادية:
استيقظت وقد قرصتني حشرة في وجهي فتورمت عيني اليسرى ولم أكن أعرف نظام السجن بعد، فطرقت الباب طرقًا متتاليًا حتى جاءني سجان ضخم اسمه المعلم حسن، ففتح الباب وقال: شو بدك ولا؟، فقلت له: شوف عيني، فنظر نظرة لم تكن تبعث علي الاطمئنان، وقال لي: قرب ولا، وعندما اقتربت منه سدد لكمة قاسية علي عيني اليمني فسقطت علي أرض الزنزانة من شدة الألم، وأقفل الباب ورائي وهو يتمتم بأقذع الشتائم. ولم ينقض اليوم الأول حتي عرفت نظام السجن كاملًا، فلم يكن لنا أي حق في طرق الأبواب، وكانت الفرصة الرئيسة للسجانين كي يشفوا نزعتهم السادية هي خروج المساجين من الزنازين الانفرادية إلي الخلاء ... كان هناك 19 زنزانة منفردة و4 مزدوجة وكان يتناوب 42 سجينًا علي حمامين ثلاث مرات في اليوم فيخرجنا الحراس واحدًا واحدًا بالركل والجلد ولم يكن يسمح للواحد منا أن يبقي أكثر من نصف دقيقة في بيت الخلاء. ولا بد من الاعتراف بأنني عندما خرجت للمرة الأولي أكلت نصيبًا وافرًا من الركل واللكم من قبل المعلم حسن، ولم أكن أجد أي مبررًا لذلك فاعترضت بصوت مرتفع وذكرته بأنني إنسان مثله، فصرخ في وجهي صرخة منكرة قائلًا:
ـ خراس ولك كلب، هلق بخليك تاكل الخ ــ تبعك!
وبسبب هذا التضييق وانعدام الماء والصابون فقد أصيب أكثرنا بالبواسير وكانت الدماء تغطي المرحاض، وإذا تأخر الواحد منا في الخلاء كان يخرج بالقوة ويجر إلي زنزانته بالركل والضرب. كانت كل زنزانة انفرادية قد زودت بوعاء (طاسة) للأكل والشرب، وبسبب الأذي الذي كان يصيبنا من السجانين في دخول الخلاء فقد اضطر الكثير منا لقضاء الحاجة في طاسته كلما اشتد المرض عليه، ثم يغسلها ويعاود استخدامها لطعامه من جديد.
ولأنني لم أكن متهمًا بالدرجة الأولي فلم أكن أتعرض لوجبات التعذيب التي كانت من نصيب السجناء الآخرين، ولكن سماع أصوات المعذبين كان أشد إيلامًا علي النفس من وقع السياط في كثير من الأحيان. كانت نوبات التعذيب تبدأ في الساعات المبكرة من الصباح وتستمر حتي الواحدة والنصف وهناك نوبة ليلية تبدأ من السابعة مساء حتي العاشرة، وقد تستمر حتي الثالثة بعد منتصف الليل. كنا نسمع شتائم الجلادين واستغاثة المعذبين وتوسلاتهم، وكنا نميز طريقة التعذيب من تتابع أنين المعتقلين الذين يخضعون للتعذيب بواسطة الكرسي الألماني الذي يهشم