فهرس الكتاب
وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ"."
فصل في تحول الدار من دار إسلام إلى دار كفر والعكس بالعكس
وعلى ما تقدم فقد تتحول دار الإسلام إلى دار كفر بمجرد ظهور أحكام الكفر فيها وكانت الغلبة والقوة لسلطان الكفر، وكذلك تتحول دار الكفر إلى دار إسلام إذا كانت الغلبة والقوة للمسلمين وظهور أحكام الشريعة فيها، ولا يلتفت إلى دين العامة وعقائدهم.
قال الإمام السرخسي في كتابه البسوط (10\\114) :"عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إنما تصير دارهم دار الحرب بثلاث شرائط: أحدها: أن تكون متاخمة أرض الترك ليس بينها وبين أرض الحرب دار للمسلمين، والثاني: أن لا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه، ولا ذمي آمن بأمانه، والثالث: أن يظهروا أحكام الشرك فيها، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا أظهروا أحكام الشرك فيها فقد صارت دارهم دار حرب ; لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة، فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الإسلام فالقوة فيه للمسلمين، ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يعتبر تمام القهر والقوة ; لأن هذه البلدة كانت من دار الإسلام محرزة للمسلمين فلا يبطل ذلك الإحراز إلا بتمام القهر من المشركين، وذلك باستجماع الشرائط الثلاث ; لأنها إذا لم تكن متصلة بالشرك فأهلها مقهورون بإحاطة المسلمين بهم من كل جانب، فكذلك إن بقي فيها مسلم أو ذمي آمن فذلك دليل عدم تمام القهر منهم، وهو نظير ما لو أخذوا مال المسلم في دار الإسلام لا يملكونه قبل الإحراز بدارهم لعدم تمام القهر، ثم ما بقي شيء من آثار الأصل فالحكم له دون العارض كالمحلة إذا بقي فيها واحد من أصحاب الخطة فالحكم له دون السكان والمشترين".
فقد خالف أبو حنيفة تلميذاه ابو يوسف ومحمد بن الحسن كما ذكر السرخسي آنفًا وجعلا مناط الحكم على الدار باعتبار القوة والغلبة.
وكذلك ذكرالكاساني قول تلميذا ابي حنيفة وعلق عليه في كتابه بدائع الصنائع (9\ 4375) حيث قال:"إن كل دار مضافة إما إلى الإسلام وإما الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام إذا طبقت فيها أحكامه، كما الجنة دار السلام والنار دار البوار، لوجود السلامة في الجنة والبوار في النار، ولأن ظهور الإسلام أو الكفر بظهور أحكامها".
فالواضح الجلي من كلام الكاساني أنه جعل مناط الحكم على الدار هو نوع الأحكام التي تعلوها لا ما يدين به الناس.
وكذلك لم يعتبر ابن قدامة الحنبلي شروط ابي حنيفة فقال:"ولنا أنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الخصال أو دار الكفرة الأصليين".
وكذلك مناط الحكم على الدار عند ابن قدامة هو الأحكام الجارية في الدار.
وقد سأل الشيخ محمد بن ابراهيم:
هل يحكم على أهل البلد؛ بأنها بلاد كفر بظهور الشرك فيهم؟ أو باطباقهم عليه؟ أو بولايتهم؟
الجواب:
إذا ظهر الشرك، ولم ينكر، ويزال؛ حكم عليها بالكفر.
ودعوى الإسلام؛ لا تنفع.