الضرورية هي: إن تقديرهم لهذين الدليلين ليس تقديرًا واحدًا، أي: أن استعمال الإمام أحمد للقياس ليس كاستعمال أبي حنيفة أو حتى كاستعمال الشافعي، واعتبار الشافعي أو أبي حنيفة لأقوال الصحابة ليس كاعتبار أحمد وأئمة الحديث. وباختصار: إنه عند مراجعة النظم الفقهي عند السلف نجد أنهم ينقسمون إلى أقسام، فمنهم: فقهاء غلب عليهم الفقه ولم يعرفوا بعلم الحديث والرواية، أي: ليسوا من أربابها المعروفين، وإن كانوا ينسبون إلى أهل الحديث في أصولهم، كأبي حنيفة؛ فإنه لم يكن محدثًا، ولم يكن عارفًا بكثير من السنن؛ لأسبابٍ اقتضاها مقامه في الكوفة، ولكنه إمام في الفقه، حتى إن الشافعي يقول:"الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه"، وقد أثنى عليه مالك وغيره. ومنهم: محدثون انشغلوا بعلم الحديث والرواية ولم يشتغلوا بكثيرٍ من الفقه، ليس عجزًا، وإنما لأن الرواية شغلتهم عن الفقه، كما أن أبا حنيفة شغله الفقه عن الرواية. وهذا له مثالات: كبعض الأئمة الذين اشتدوا في تتبع الطرق والبحث في العلل وما إلى ذلك كيحيى بن معين وابن المديني، وإن كان هذا لا يعني أن ابن معين ليس فقيهًا .. فهو فقيه، لكنه اشتغل بعلم الرواية وغلب عليه علم الرواية عن الدراية. ومنهم: فقهاء غلب عليهم الفقه ولكنهم معروفون بقدر من الحديث، وهؤلاء من يمكن أن يسمون"المحدثون من الفقهاء"أو"محدثو الفقهاء"ومن أخص مثالات محدثي الفقهاء: الإمام الشافعي، فإن مقامه في الفقه أبلغ من مقامه في الحديث، وهذا لا يختلف فيه. والعكس: وهو القسم الرابع، فقهاء المحدثين، وهذا له أعيانٌ كثيرون، من أخصهم الإمام أحمد والبخاري رحمهما الله. وهذا لا يعني أن الطبقة الأولى لا علم لهم بالحديث، ولا يعني أن المحدثين كابن معين ليس فقيهًا، إنما يعني: أن ثمة تفاوتًا في طبقات هذا العلم. وقد تقدم أنه من المتحقق ضرورةً أن ثمة فرقًا بين الأئمة في تقدير الاستدلال: بالقياس وبقول الصحابي. فالإمام أحمد يقدم قول الصحابي على القياس. وهناك من الأئمة من قال: يصار قبل قول الصحابي إلى القياس. وهناك من قال: يصار إلى عمل أهل المدينة قبل هذين. فهذه التراتيب تراتيب مختلفة، فإذا ما جاء علماء من بعد الأئمة، ونظروا في أصول أحمد فوجدوا أنه يرتب الأدلة بهذا الشكل: الإجماع والكتاب والسنة ثم قول الصحابي، ووجدت طائفة أن أبا حنيفة يقول: ثم القياس، ووجدوا مالكًا يقول: ثم عمل أهل المدينة، والإمام أحمد لا يعتبر الاستدلال بعمل أهل المدينة بنفس درجة مالك، ولا يعتبر القياس كأبي حنيفة، وأبو حنيفة لا يعتبر قول الصحابي كأحمد .. فإذا تخير العالم بعد هؤلاء تراتيب علمية له ليطردها في مسائله الفقهية، فإذا تكلم في