مسألة في الطهارة، أو الصلاة، أو الحج، أو الديات، أو الجنائز، أو القضاء، أو الشهادات والهبة .. إلخ، يكون له منهج مطرد: أن القياس يقدم على قول آحاد الصحابة، أو أن قول الصحابي يقدم على القياس .. فإن هذا هو الذي يعطي الأقوال الفقهية اطرادًا. ولذلك من يبطل المذهبية في هذا العصر ويقول: الكتاب والسنة والإجماع، نقول له: لم تكن التراتيب المذهبية من أجل مسألة الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن هذه مسألة متفق عليها، لكن السؤال: إذا جئت بعد الكتاب والسنة والإجماع -أي: بعد ظواهر الكتاب والسنة والإجماع- فإنك تجد مسائل كثيرة مبنية على أقوال الصحابة، ومسائل مبنية على القياس .. إلخ، فبماذا سوف تأخذ؟ إذًا: المراد بالتمذهب هو هذا الوجه: الترتيب العلمي. إذًا: ليس من الممنوع أن العالم يقول: أنا أقدم طريقة الإمام أحمد أو منهجه الفقهي على منهج الشافعي، أو يقول: أنا حنبلي. على هذا الاعتبار، فإن هذا غير مخالف للسلفية، بل هو انتصار لقول من أقوال السلف، كما أنه لو ظهر لفقيه أن الإمام أحمد أصاب في مسألة واحدة من مسائل الفقه فانتصر له، فإنه لا يعتبر مخطئًا؛ فكذلك إذا ما نظر في تراتيب الأئمة في العراق، في الحجاز، في الكوفة، في بغداد ... إلخ، وظهر له من تراتيب الأئمة جملة من التراتيب، لما بعد الأصول المنضبطة -وهي الكتاب والسنة والإجماع- فقدم تراتيب الشافعي على أحمد، فهذا معنى أنه شافعي، لكن إذا ما زاد وبدأ ينتصر لآحاد أقوال الشافعي، ويهجر السنن فهذا على ضلال، لكن يبقى أصل التراتيب لا بأس به. هذا هو المقصود بالتمذهب السائغ ولا نقول المشروع"."
ويقول في شرح رسالة شيخ الاسلام ابن تيمية (رفع الملام) :"هل التمذهب نوع من التدين أم أنه نوع من الترتيب العلمي؟ لقد كان التمذهب في أصله ترتيبًا علميًا، بمعنى: أنك إذا قلت: إن فلانًا من الشافعية، أو الحنفية، أو إن ابن عبد البر مالكي، فإن معنى ذلك: أنه على أصول الإمام مالك في الاستدلال؛ لأنه سبق معنا أن الأدلة: الكتاب والسنة والإجماع، ثم ما يسمى بالأدلة المختلف فيها، فهذا معنى التمذهب بصورته العلمية السائغة الذي هو من باب التراتيب العلمية، أي: أن جماعةً من أهل العلم اختاروا أصول فقه الشافعي، وجماعةً أخرى اختاروا أصول فقه أحمد أو أهل الحديث من البغداديين ونحوهم، وجماعةً أخرى اختاروا أصول فقه الإمام مالك وهكذا."
فإذا فهم التمذهب على هذا الوجه فهو من باب التراتيب العلمية وهل هذا هو الذي وقع في التاريخ أم أن الذي وقع هو التعصب؟ نقول: لقد وقع في التاريخ هذا وذاك،