فسورة البقرة مثلًا كلام واحد باعتبار النظم واحتوت على أنواع من الكلام بحسب ما بث فيها، منها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب، ومنها ما هو كالمؤكد والمتمم، ومنها ما هو المقصود في الإنزال، وذلك تقرير الأحكام على تفاصيل الأبواب، ومنها الخواتم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت وما أشبه ذلك [7] .
ثم قال: وسورة المؤمنين نازلة في قضية واحدة وإن اشتملت على معانٍ كثيرة، فإنها من المكيات، وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان، أصلها معنى واحد وهو الدعاء إلى عبادة الله تعالى:
أحدها: تقرير الوحدانية لله الواحد الحق، غير أنه يأتي على وجوه كنفي الشريك بإطلاق، أو نفيه بقيد ما ادعاه الكفار في وقائع مختلفة، من كونه مقربا إلى الله زلفى، أو كونه ولدًا أو غير ذلك من أنواع الدعاوى الفاسدة.
والثاني: تقرير النبوة للنبي محمد وأنه رسول الله إليهم جميعًا، صادق فيما جاء به من عند الله، إلا أنه وارد على وجوه أيضًا، كإثبات كونه رسولًا حقًا، ونفي ما ادعوه عليه من أنه كاذب، أو ساحر، أو مجنون، أو يعلمه بشر أو ما أشبه ذلك من كفرهم وعنادهم .
والثالث: إثبات أمر البعث والدار الآخرة وأنه حق لاريب فيه، بالأدلة الواضحة، والرد على من أنكر ذلك بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به، فرد بكل وجه يلزم الحجة، ويبكت الخصم، ويوضح الأمر.
فهذه المعاني الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن الكريم بمكة في عامة الأمر، وما ظهر ببادي الرأي خروجه عنها فراجع إليها في محصول الأمر. ويتبع ذلك.
فإذا تقرر الترغيب والترهيب والأمثال والقصص، وذكر الجنة والنار وصف يوم القيامة، وأشباه ذلك.