الصفحة 80 من 101

هذا وإذا عدنا إلى النظر في سورة المؤمنين وجدنا فيه المعاني الثلاثة على أوضح الوجوه. إلا أنه غلب على نسقها ذكر إنكار الكفار للنبوة التي هي المدخل للمعنيين الباقيين وإنهم إنما أنكروا ذلك بوصف البشرية، ترفعًا منهم أن يرسل إليهم من هو مثلهم أو ينال هذه الرتبة غيرهم إن جاءت.

فكانت السورة تبين وصف البشرية وما تنازعوا فيه منها، وبأي وجه تكون على أكمل وجوهها حتى تستحق الاصطفاء والاجتباء من الله تعالى، فافتتحت السورة بثلاث جمل:

إحداهما: وهي الآكد في المقام، بيان الأوصاف المكتسبة للعبد التي إذا اتصف بها رفعه الله وأكرم له، وذلك قوله: (( قد أفلح المؤمنون ) )إلى قوله: الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ))

والثانية: بيان أصل التكوين للإنسان وتطويره الذي حصل له جاريًا على مجاري الاعتبار والاختبار،بحيث لايجد الطاعن إلى الطعن على من هذا حاله سبيلًا.

والثالثة:بيان وجوه الإمداد له من خارج بما يليق به في التربية والرفق، والإعانة على إقامة الحياة، وأن ذلك له بتسخير السماوات والأرض وما بينهما، وكفى بهذا تشريفًا وتكريمًا.

ثم ذكرت قصص من تقدم مع أنبيائهم واستهزائهم بهم بأمور منها كونهم من البشر: ففي نوح مع قومه قولهم: (( ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ) )ثم أجمل ذكر قوم آخرين أرسل فيهم رسولًا منهم أي من البشر لا من الملائكة فقالوا ? ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون )) . ? (( ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) )ثم قالوا: (( إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا ) )أي هو من البشر، ثم قال تعالى: (( ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه ) ). فقوله"رسولها"مشيرًا إلى أن المراد رسولها الذي تعرفه منها، ثم ذكر موسى وهارون وردّ فرعون وملئه بقولهم: (( أنؤمن لبشرين مثلنا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت