الصفحة 81 من 101

هذا كله حكاية عن الكفار الذين غضوا من رتبة النبوة بوصف البشرية، تسلية لمحمد عليه الصلاة والسلام، ثم بين أن وصف البشرية للأنبياء لاغض فيه، وأن جميع الرسل إنما كانوا من البشر، يأكلون ويشربون كجميع الناس، والاختصاص أمر آخر من الله تعالى، فقال بعد تقرير رسالة موسى: (( وجعلنا ابن مريم وأه ءاية ) )وكانا مع ذلك يأكلان ويشربان، ثم قال: (( ياأيها الرسل كلوا من الطيبات ) )، أي هذا من نعم الله عليكم والعمل الصالح شكر تلك النعم ومشرف للعامل به، فهو الذي يوجب التخصيص، لا الأعمال السيئة. وقوله تعالى: (( وإن هذه أمتكم أمة واحدة ) )إشارة إلى التماثل بينهم، وأنهم جميعًا مصطفون من البشر.

ثم ختم هذا المعنى بنحو مما بدأ به، فقال: (( إن الذين هم خشية ربهم مشفقون ) )إلى قوله: (( وهم لها سابقون ) ).

وإذا تؤمل هذا النمط من أول السورة إلى هنا فهم أن ماذكر من المعنى هو المقصود مضافًا إلى المعنى الآخر وهو أنهم إنما قالوا ذلك وغضوا من الرسل بوصف البشرية، استكبارا من أشرافهم، وعتوًا على الله ورسوله، فإن الجملة الأولى من أول السورة تشعر بخلاف الاستكبار وهو التعبد لله بتلك الوجوه المذكورة، والجملة الثانية مؤذنة بأن الإنسان منقول في أطوار العدم وغاية الضعف، فإن التطورات السبع أتت عليه وهي كلها ضعف إلى ضعف، وأصله العدم، فلا يليق بمن هذه صفته الاستكبار، والجملة الثالثة مشعرة بالاحتياج إلى تلك الأشياء والافتقار إليها، ولولا خلقها لم يكن للإنسان بقاء بحكم العادة الجارية، فلا يليق بالفقير الاستكبار على من هو مثله في النشأة والخلق، فهذا كله كالتبكيت عليهم والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت