فقال الحارث: ولم يترك بعرصتها حمارًا
قال امرؤ القيس: كأن هزيزه بوراء غيب
فقال الحارث: عشارٌ ولّه لاقت عشارا
قال امرؤ القيس: فلما أن علا شرجى أصاخ
فقال الحارث: وهت أعجاز ريقه فخارا
قال امرؤ القيس: فلم تر مثلنا ملكًا هماما
فقال الحارث: ولم تر مثل هذا الجار جارا
فلما رأه امرؤ القيس قد ماتنه ولم يكن في ذلك الدهر شاعر يماتنه آلى ألا ينازع الشعر بعده أحدًا.
ومما يعدونه من بديع الشعر ومحاسنه قول امرؤ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف إعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليلٍ كأن نجومه بكلِّ مغار الفتل شدّت بيذبل
وكان بعضهم يعارض هذا بقول النابغة الذبياني:
كليني لهم يا أميمة ناصبٍ وليلٍ أقاسيه بطئ الكواكب
وصدر أراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كل جانب
تقاعس حتى قلت ليس بمنقضٍ وليس الذي يتلو النجوم بآيب
وقد جرى ذلك بين يدي بعض الخلفاء وجلسائهم، فمنهم من قدم أبيات امريء القيس ومنهم من قدم أبيات النابغة.
وعلى الرغم من اعتبارهم شعر امرئ القيس في الطبقة الأولى من الحسن والإبداع، إلا أن له من قبيح الشعر، ومن ذلك قوله:
فقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
وكل مكارم الأخلاق سارت إليه همتي ونما اكتسابي
وليس من همنا أن نستقصي ما جرى من المباريات والمعارضات بين الشعراء في كل عصر فإن لذلك مواضعه في كتب الأدب.
هذا ولم يعد الأمر قاصرًا على من ذكرنا، فإن من عادات الناس التي لا تختلف وطبائعهم التي لاتتبدل أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة وهم يجدون سبيلًا إلى دفعها، وكل شاعرين جمعهما عصر، جدّ كل واحدٍ منهما في مغالبة الآخر، وجعل ذلك همه وكده وقصر عليه دهره، وقد عرف ذلك عند من تتبع تاريخ الأدب العربي، فقد اشتهرت قصة المعارضة بين جرير والفرزدق، وأبي تمام والبحتري.