فتأمل قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة/ 216] .
فالنفوس -وبحسب ظاهر أمر القتال - تراه لا ينفك عن القتل، والجراح، والأسر، والتهجير، وتدمير البيوت، ومفارقة الأهل والأوطان، وإنفاق الأموال مع ما فيه من المشقة والنَّصَب والآلام وغير ذلك مما لا تكاد تحتمله، فيحصل بذلك نفرة لها من هذه العبادة وتستشعر بثقلها وتود أن لو أُريحت منها، فكشف الله لنا أمرًا وراء ما نظن بل بعكس ما قد يبدو! وهو أن الخير قد يكون فيما نكرهه، وأن الشر قد يقع من وراء ما نحبه ونألفه ونرغب فيه ونميل إليه، ثم قرر لنا أمرًا عامًا وهو الذي يبنى عليه أمر أحكام الشرع ألا وهو قصور علم المخلوق وشمول علم الخالق: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ والأرض ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة/ 255] ، وقال سبحانه: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وما في الأرضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحجرات/ 16] .
ولهذا قال الإمام ابن جرير في آية القتال السالفة: «والله يعلم ما هو خيرٌ لكم، مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتبتُ عليكم من جهاد عدوكم، وقتال من أمرتكم بقتاله، فإني أعلم أنّ قتالكم إياهم، هو خيرٌ لكم في عاجلكم ومعادكم، وترككم قتالهم شر لكم، وأنتم لا تعلمون من ذلك ما أعلم، يحضّهم جل ذكره بذلك على جهاد أعدائه، ويرغِّبهم في قتال من كفر به» اهـ.
ومثل ذلك قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء/ 19] ، فالمرء قد لا يرجو من الخير إلا أن يعيش في آنه مع أهله بسعادةٍ يطلبها وراحةٍ يرنو إليها حتى إذا شابَهُ في حياته كدرٌ منها فكرهها قلبه بادر إلى طلاقها طلبًا للراحة وسعيًا وراء السعادة، فبين الله تعالى في هذه الآية أن الخير (الكثير) الذي يجعله الله تعالى قد يكون في الصبر عليها وتحمل أذاها وحسن معاشرتها،