فكما ذكر العلماء قد يرزق منها بالولد الصالح فيكون عالمًا مجاهدًا يبقى صدقة جارية لأبيه ولا خير فوق هذا الخير، فالمقصود أن نظر الإنسان قاصرٌ وعلمه محدودٌ ومعرفته بمآلات الأمور ضعيفة وهذا يستوجب منه الاستسلام لأحكام من أحاط بكل شيءٍ علمًا ولا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وخلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد.
ثم إن النفس مولعة بحب العاجل فميزانها في تقويم الأمور والحكم عليها بالخيرية غالبًا ما يكون قاصرًا على أمور الدنيا ومحصورًا فيما تدركه بالحواس، أما الميزان الشرعي فهو أوسع من ذلك وأعمق وأبعد لأنه يتعلق بخير الدينا والآخرة، وهذا أمرٌ لا يحصِّله إلا الذين يؤمنون بالغيب ومنه إيمانهم باليوم الآخر والذي له أعظم تأثير في كبح جماح النفس عن الشرور ودفعها إلى سبُل الخير المتنوعة، وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: [عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له] ، فهو بيِّنٌ فيما ذكرت.
وهذا المسلك في تقويم خيرية الأمور من أعظم الفوارق بين دين الرحمة الذي جاء من عند الله تعالى وبين ما سواه من النظم والسياسات والأديان التي لا يتعدى نظرها تحت قدميها، فعندما تقرأ قول الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ من الأموالِ والأنفسِ وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة/ 155] ، ترى ما في ظاهر هذه الآية من الشدة والبلاء والضيق فهو خوفٌ وجوعٌ وقلة أموالٍ ورجال وثمرات، فبحسب الموازين الدنيوية القاصرة لا يُرى أيُّ خيرٍ في ذلك، وما الذي سيدعو الناس للصبر على مثل هذه الشدائد؟!.
إلا أن أهل الإيمان بالله واليوم الآخر المحتسبين فيما يصيبهم الذين يعلمون أن المكافأة لا تتوقف عند هذه الحياة يوقنون أن هناك خيرًا عظيمًا وجزاء كريمًا قد ادُّخر لهم فتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم فتنقلب شدتهم رخاءً وضيقهم سعةً ومحنتهم منحةً إذ قيل لهم وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)