الصفحة 1 من 2

[الكاتب: عبد العزيز الهاشمي]

بفضلهم مما جرى لو تدري ... الإهداء:

· إلى كل من ينشد الهداية والإيمان.

· إلى كل حائر يبحث عن حقيقة الإسلام.

· إلى كل غيور صادق يسعى للذود عن حياض القرآن.

· إلى كل منصف عاقل مبصَّر بواقع أمة خير الأنام.

· إلى أولئك جميعًا نقدم هذا الكتاب.

عبد العزيز الصادق الهاشمي

لم يسبق في التاريخ أن أختلف أهل السنة والجماعة في لبنان حول عقيدتهم، ولم يحدث أن كفَّر علماؤهم أحدًا من العلماء الأعلام الذين اشتهروا بالتقى والورع وسعة العلم، وعرفوا بإخلاصهم لدينهم. . لا في داخل لبنان ولا في خارجه. .

لأول مرة يأتيهم رجل غريب من الحبشة، غريب في أطواره غريب في أفكاره غريب في أسلوبه الذي يتّبعه في إثارة الفتنة بين أهل السنة والجماعة. . والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها. .

لأول مرة تجري كلمة"التكفير"على ألسنة بعضهم، خاصة أولئك المغرر بهم من قبل هذا الرجل. . لأول مرة تحدث المشاكل العائلية فيكفّر الأبناء آباءهم. . ويحدث الشجار والنزاع والنفاق بين الآباء والأبناء. . ويصرخ الأهل: أنقذونا. .

لأول مرة يأتي من يتطاول على كبار علماء أهل السنة والجماعة العاملين المجاهدين. . يتطاول عليهم بأسلوب فجّ مليء بالحقد والضغينة، ملتمسًا لهم العيوب، مشككًا بأقوالهم، حاكمًا عليهم بالكفر لأدنى ملابسة.

لقد كفّر كبار العلماء من أمثال ابن تيمية وابن قيّم الجوزية وسيد قطب ومحمد متولي الشعراوي ومحمد الغزالي وسيّد سابق، وكفّر من علماء لبنان حسن خالد، وصبحي الصالح، وفيصل مولوي، ومحمد علي الجوزو وعددًا كبيرًا لا حصر له ولا عدّ من رجال الأزهر الشريف. . وعلماء دمشق الشام. .

لذلك رأينا أن ندينه من أقواله. . فهو إذ يحكم على غيره بالكفر، يحكم على نفسه أيضًا بالكفر، وإليكم بيان ذلك:

يقول في كتابه:"شرح الصراط المستقيم"ما نصه: (ولو نادى مسلم آخر بقوله يا كافر بلا تأويل كفر القائل لأنه سمَّى الإسلام كفرًا) . (ص58) .

وهو نفسه لم يترك عالمًا مسلمًا إلا وأطلق عليه اسم الكفر. . من غير أن يكون له أدنى تأويل فيما ذهب إليه جاهلًا ضوابط علماء أهل السنة في التأويل فضلًا عن التكفير.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فهو كقتله، ولعن المؤمن كقتله) . (الطبراني) . ويقول عليه الصلاة والسلام: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر باء بها أحدهما) . (البخاري) . ويقول: (من دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدّو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه) أي رجع عليه الكفر. (مسلم) .

خالف تعرف:

السؤال الذي يتردد على ألسنة الناس: لماذا يهاجم الحبشي كبار العلماء، المشهود لهم بالعلم والمعرفة، والذين يعتبرون عناوين بارزة في تاريخ أهل السنة والجماعة وصروحًا شامخة في روضات العلم والمعرفة، عقائديًا وفكريًا، كان دفاعهم عن الدين، وكشف المبطلين، منهجًا لهم عرفهم الناس به. .

والجواب: هو الحقد، والحسد، وحب الظهور على حساب الكبار من أهل العلم، فضلًا عما في ذلك من إرضاء لأعداء النهج الذي التزم به أهل السنة والجماعة. . فهو شعوبي يكره العرب من ناحية، وباطني يحقد على أهل السنة. .

هناك شك في حقيقة الأغراض التي يستهدفها هذا الرجل. .

إنه يعمل لصالح من؟ ومن هو المستفيد من إثارة هذه البلبلة الفكرية حول هؤلاء العلماء الأعلام في هذا الوقت بالذات؟

أجل، إنه الحقد والحسد، ولا يحقد على أهل العلم إلا إنسان يعادي العلم ويكره أهل العلم. . وبالتالي فهو يعادي المنهج الذي دافعوا عنه، وهو منهج أهل السنة والجماعة. . وإن ادّعى أنه من أهل السنة والجماعة. . لأن هذه الدعوى تحتاج إلى دليل، ولا يوجد أي معلومات دقيقة عن الحقيقة التي تكمن وراء مجيئه إلى لبنان، واجتماع الجهلة والغوغاء والانتهازيين والدهماء من حوله. .

من أين جاء؟ لماذا ترك بلاده وجاء في أول مرة ينام في المساجد؟ ويعيش على صدقات الناس؟ وهو يدّعي أنه كان عالمًا كبيرًا في قومه؟

هناك سر يكمن وراء هذا الظهور المفاجئ في لبنان دون معرفة الخلفية التي جاء من أجلها. .؟!

نزار. . جاهل. . أو خبيث؟

ثم يأتي دور هذا الذي ركب الموجة، وتاجر بفكره المنحرف، وأخذ يروّج لآرائه المعادية لفكر أهل السنة والجماعة؟!

هل فعل ذلك عن جهل أم عن علم؟

وإذا كان جاهلًا بخلفية هذه الأفكار التي يطرحها على الناس بدءًا من تكفير أهل السنة والجماعة في لبنان، وانتهاء بتكفير روّاد الفكر الإسلامي من عباقرة العاملين في الحقل الإسلامي قديمًا وحديثًا. .

وإذا كان جاهلًا بخلفية تطاوله على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين يجلّهم ويقدّرهم أهل السنّة والجماعة فهو جاهل بحقيقة عقيدة أهل السنة والجماعة. . يسير وراء أستاذ الأعمى. . ينعق وينهق. .

أما إذا كان عالمًا بما يفعل وتآمر معه على منهجنا وتاريخنا فهو يستحق أن يكشف كعميل رخيص، وإنسان منحرف مثل أستاذه. .

إن المؤامرة تدل على خبث وسوء نية. . وسوف نكشف موقف الحبشي من الصحابة. . وضلالات تابعه نزار حلبي الذي يروّج لهذا الفكر. . بكل الوسائل الدنيئة. .

الموقف من الصحابة:

في كتاب الحبشي"صريح البيان"الصفحة 86 يقول تحت عنوان:"حكم القتال الذي حصل بين علي ومعاوية، وإن معاوية ومن معه بغاة".

تحت هذا العنوان، يعبر الحبشي عن حقده وكراهيته لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها.

إنه يملأ صفحات عدة بالروايات التاريخية التي يحاول من خلالها النيل من هؤلاء الصحابة، مع العلم أن أهل السنة والجماعة يمتنعون عن الخوض فيما شجر بين الصحابة الكرام، وسوف نبين أدلة أهل السنة في تحريم الخوض فيما شجر بين الصحابة من الكتاب والسنة. . وأقوال العلماء من أئمة الهدى.

ولكننا في البداية سنكشف سوء نية الحبشي فيما أورده هذا الكتاب، فهو لا يكتفي بالحكم على معاوية رضي الله عنه ومن كانوا معه في صفين بالفسق، بل يتخطى ذلك إلى الحكم على السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ومن كانوا معها في معركة الجمل من كبار الصحابة المبشرين بالجنة كالزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما، بأنهم ماتوا على الجاهلية. .

وإليكم البيان:

يستشهد الحبشي بحديث: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية) .

ثم يقول:"فالذين قاتلوا عليا خرجوا من طاعة الإمام، وليعلم أن سيدنا عليا كان مأمورا بقتال من خرج عليه، فقد روى البزاز والطبراني أنه قال:"أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين"ويضع نجمة صغيرة على آخر هذا الحديث، ثم يذكر في الحاشية ما يلي:"كانت معركة الجمل بين سيدنا علي رضي الله عنه ومن معه وجماعة تحمسوا للمطالبة بدم عثمان فيهم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم"- هكذا بدون ألقاب - إلى أن يقول:"وكان معصيتها وقوفها في معسكر الذين تمردوا على علي الخليفة الراشد"."

وهكذا يتهم أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها بالمعصية. . كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا. . . وإذا أردنا أن نأخذ بالحديث الذي قدم به كلامه، لوجدناه يخرج من حاربوا عليا رضي الله عنه من الإسلام.

وهذا لم يقل به عالم مسلم من أهل السنة والجماعة قط. .

إن سوء نيته وخبثه يظهران من خلال قوله:"ومعنى الحديث ليس كما يزعمون، إنما معنى الحديث أن الذي يترك الإمام بالخروج عن طاعته كالذين خرجوا على علي إذا مات وهو على تلك الحال تكون ميتة جاهلية". .! (ص: 117) .

منهج أهل السنة والجماعة:

والآن لا بد من تبيان منهج أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع، وسنبين ذلك من خلال الكتاب والسنة وأقوال الأئمة.

أولا: أقر علماء الأمة أن قضية مقام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ودرجاتهم والتفاضل بينهم، وعدم الخوض في الخصومات التي وقعت بينهم، هي قضية عقدية، وقد افرد لها باب مستقل داخل جميع أبواب العقائد الإسلامية. (مقام الصحابة: 44) .

ثانيا: إن كتب التاريخ التي ألفها علماؤنا، مهما كانوا ثقاة ومهما كانوا معتمدين، فهي كلها من الناحية العلمية كتب تاريخية شاع فيها بصفة عامة أسلوب جمع الروايات الصحيحة والسقيمة. (مقام الصحابة:45) .

وإذا كان لأولئك الأئمة من عذر فيما جمعوه، فليس لمن يدّعي الصناعة الحديثة القائمة على السبر والتنقير أدنى عذر فيما ينقله عن عوام الرواة ودجاجلة اللّباسين من غير مراجعة. .

وقد اختلف المؤرخون كثيرا حول ما شجر بين الصحابة، وفي معركة الجمل وصفين بالذات، وامتلأت كتب التاريخ بالروايات المتناقضة لأن كل مؤرخ كان يروي روايته، حسب توجهاته المذهبية أو حسب هواه وميله السياسي. . ومن أراد أن يعرف خطر هذا التناقض فليرجع إلى كتب المستشرقين ليعلم إلى أي مدى استفادوا من هذه الثغرات التي وجدوها في بعض كتب التاريخ الإسلامي. .

وليس بعيدا عن هذا ما نراه من تخبط في الروايات في المجتمع الإسلامي اللبناني بسبب تعدد المذاهب فيه. . فأهل السنة لهم موقف من الصحابة يختلف اختلافا كبيرا عن موقف غيرهم، ولذلك نلاحظ أن أحدا لا يثير هذه القضايا في لبنان من الطرفين إلا أن يكون صاحب فتنة. .؟!

أما وقد أثار الفتنة ذاك الحبشي، وهو غريب عن لبنان، فإليكم موقف أهل السنة. .

نبدأ بما استشهد به أهل السنة والجماعة من آيات تبين فضل الصابة في القرآن الكريم. .

يقول عز وجل: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} .

ويقول جل من قائل: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} .

والمخاطب الأصلي في الآيتين السابقتين، والمصداق الأول لهما، هم الصحابة الكرام، وبقية الأمة يمكن أن تدخل هنا أيضا، كل بعمومه، وهذا ثابت باتفاق المفسرين والمحدثين. وفيها يثبت بوضوح أن الصحابة الكرام هم أفضل خلق الله واعدلهم وأعظمهم ثقة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر هذا ابن عبد البر في مقدمة الاستيعاب، كما أن العلامة السفاريني في شرح عقيدة الدرة المضيئة قد أكد على أن هذا هو مسلك جمهور الأمة، وهو أن الصحابة الكرام هم أفضل الخلائق بعد الأنبياء، ويقول إبراهيم بن سعيد الجوهري: (سألت أبا أمامة عمن هو أفضل من الآخر - أي معاوية أو عمر بن عبد العزيز - فقال:"لا نعدل بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحدا") .

وسئل عبد الله بن المبارك فقيل: يا أبا عبد الرحمن أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: (والله إن الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة) .

وتأتي الآية الأهم في الاستشهاد على هذا المعنى، وهي قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود} . .

قال عامة المفسرين إن {والذين معه} معنى عام تدخل فيه جماعة الصحابة الكرام كلها، وهنا نلاحظ أن مدح وثناء وتزكية الصحابة الكرام إنما هو من جانب مالك الكائنات.

ويقول أبو عروة الزبيري: (كنا ذات يوم في مجلس الإمام مالك وذكر الناس رجلا سب بعض الصحابة، فقرأ الإمام مالك الآية. . . حتى وصل إلى قوله تعالى: {ليغيظ بهم الكفار} ثم قال: نضرب بهذه الآية ذلك الرجل الذي في قلبه غيظ من أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم) . وهذا يعني إن إيمان مثل هذا الإنسان في خطر، لأن الآية تشير إلى علامة غيظ الكفار من أحد الصحابة، {والذين معه} تدخل فيها جماعة الصحابة بلا استثناء.

قال عز وجل: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} .

وقال جل من قائل: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} . . ففي الآية الكريمة إشارة إلى طبقتين من الصحابة الكرام، طبقة السابقين الأولين، وطبقة من آمنوا بعدهم، وفيما يتعلق بالطبقتين أعلن القرآن أن الله قد رضي عنهم وهم قد رضوا عنه وأنهم سيكونون في الجنة وأنها دار القرار لهم، وجميع الصحابة سيدخلون هذه الجنة.

ومن هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟

لقد جاء تفسير ذلك عند ابن كثير، كما جاء في مقدمة الاستيعاب لابن عبد البر، وقد ذكر الاثنان بالسند: أن السابقين الأولين هم أولئك الذين حضروا القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي صلوا معه ناحية بيت المقدس، وناحية بيت الله العتيق، وهذا قول أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، والحسن البصري.

والحاصل عند ابن كثير، أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام كان في السنة الثانية من الهجرة، ومن شرف بالإسلام قبل هذه الفترة نال شرف كونه صحابيا وهو من السابقين الأولين. والقول الثاني: هو أن الذين اشتركوا في بيعة الرضوان أي واقعة الحديبية - السنة السادسة للهجرة - هم من السابقين الأولين وهذه الرواية مأخوذة من قول الإمام الشعبي - ابن كثير والاستيعاب - وقد ذكر الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة في واقعة الحديبية هكذا:

{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} ولهذا أطلق أسم البيعة"بيعة الرضوان"على هذه الواقعة، وجاء في الحديث عن جابر بن عبد الله أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة) .

وعلى كل حال فإن السابقين الأولين سواء من اشتركوا في الصلاة ناحية القبلتين، وسواء اشتركوا في بيعة الرضوان، قد شاركهم في لقب الصحابة جميع من قال فيهم رب العزة تبارك وتعالى: {والذين اتبعوهم بإحسان} وهؤلاء جميعا نالوا رضا الله، ونالوا وعد الله لهم بالجنة خالدين فيها.

ويقول ابن كثير - بعد أن ذكر ما أشرنا إليه: (يا ويل من أبغضهم أو سبهم أو سب بعضهم. .) إلى قوله: (فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذا يسبون من رضي الله عنهم) ؟!.

ويقول ابن عبد البر في الاستيعاب - بعد أن نقل هذه الآية: (ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدا إن شاء الله تعالى) .

من القرآن إلى السنة:

ذكرنا بعض الآيات الكريمة التي تتحدث عن الصحابة، ولم نستطرد، ونود أن نذكر هنا بعض الأحاديث التي تدلنا على مكانة الصحابة في السنة. .

فعن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - فلا أدري ذكر قرنين أو ثلاثة - ثم إن بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن) . (الستة إلا مالكا) . وفي هذا الحديث لو ذكر مرتين الناس الذين يلون قرنه فإن هذا يعني الصحابة والتابعين، ولو ذكر ثلاثة فإن هذا يعني القرن الرابع فيشمل هذا أتباع التابعين روى الترمذي عن عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) .

وفي الترمذي أيضا عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم) . فظهر جليا أن سب الصحابة أمر سيئ، وساء من يسبونهم، وفي الحديث: من يسب الصحابة يستحق اللعنة - فهلا عرف ذلك الحبشي وأتباعه)؟!

أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (من كان مستنا فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفة وأقومها هديا وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينة فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) .

وعن عويم بن ساعدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله اختارني، واختار أصحابي، فجعل منهم وزراء وأختانا وأصهارا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا) .

عدالة الصحابة:

قال إمام أصول الحديث الإمام ابن صلاح - رحمه الله - في"علوم الحديث": (للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة، قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قيل اتفق المفسرون على أنه وارد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) ثم سرد بعض النصوص القرآنية والأحاديث كما ذكرنا سابقا.

وقال الإمام أحمد في رسالة له، نقلا عن رواية الإصطخري: (لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم ولا أن يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك وجب تأديبه، وقال الميمون: سمعت أحمد يقول: ما لهم ولمعاوية نسأل الله العافية، وقال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء فاتهمه على الإسلام) .

وكتب العلامة الكمال ابن الهمام رحمه الله في كتاب الجامع للعقائد الإسلامية"كتاب المسايرة": (واعتقاد أهل السنة والجماعة تزكية جميع الصحابة وجوبا بإثبات العدالة لكل منهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم) ثم سرد الآيات والروايات التي مرت.

حكم ساب الصحابة:

عرفنا رأي الإمام أحمد بن حنبل فيمن يذكر أحدا من الصحابة بسوء، فهو يتهمه بدينه وإسلامه. . أي ليس صحيح الذين وليس صحيح الإسلام.

وننقل هنا كلام الإمام أبي زرعة العراقي - وهو من أساتذة الإمام مسلم الكبار: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن القرآن حق، والرسول حق، وما جاء به حق، وما أدى ذلك كله إلينا إلا الصحابة، فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به أليق والحكم عليه وبالزندقة والضلال أقوم وألحق) .

وقال القاضي في"الشفاء": (قال الإمام مالك رضي الله عنه: من شتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليا أو معاوية أو عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فإن قال كانوا على ضلال أو كفر قتل، وإن شتم بغير هذا من مشاعة الناس نكل نكالا شديدا، فلا يكون محاربو علي كفرة كما زعمت. . . - بعض الفرق - ولا فسقة كما زعم آخرون. .) .

ومن خلال هذه العجالة المأخوذة باختصار شديد عن كتاب"مقام الصحابة وعلم التاريخ"للعلامة المفتي الشيخ محمد شفيع - وهو ملقب في القارة الهندية الباكستانية بالمفتي الأعظم ويصفونه بأنه من علماء الحق -. . نقف على خطورة الطعن في عدالة الصحابة أو الكلام عليهم بما يشينهم ويقدح بمرتبتهم العلية.

وإليك مزيدا من البيان بالنقل عن كبار أئمة المذاهب الإسلامية الفقهية والكلامية فيما يخص المنع عن الخوض فيما شجر بين الصحابة الكرام، وأن ما كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهم من قبيل الاجتهاد وأن ذلك لا يلزم منه تضليل ولا تفسيق لأحد منهم رضي الله عنهم:

قال الإمام القرطبي في تفسيره"الجامع لأحكام القرآن": (لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم أئمة وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر. . .) ثم يقول بعد كلام طويل يحسن مطالعته هناك: (وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم. . الخ) .

وينقل القرطبي عن ابن فورك - من أكابر المتكلمين باعتراف الحبشي نفسه حيث سماه الفقيه المتكلم وذلك في كتابه الأخير"إظهار العقيدة السنية!! هكذا!! بشرح العقيدة الطحاوية" (ص:33) - قوله: (ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين أخوة يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة، فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة) . اهـ.

وقال العلامة السفاريني - من أكابر علماء الحنابلة - في عقيدته الشهيرة بالدرة المضيئة:

وأحذر من الخوض الذي قد يزري

فاسلم أذل الله من له هجر ... فإنه عن اجتهاد قد صدر *

عنه وأجر الاجتهاد نثبت ... وقال العلامة ابن رسلان - من أكابر علماء الشافعية - في متن"الزبد":

وما جرى بين الصحاب نسكت

إن خضت فيه واجتنب داء الحسد ... ويؤسفنا أن يقوم تلامذة الحبشي من جهلة المشتغلين بنشر الكتب - على المعنى السلبي - بحذف هذا البيت من اصل المنظومة كما يعرف من مطالعة منظومة الشيخ ابن رسلان التي اعتنى بنشرها!! مركز الخدمات والأبحاث الثقافية!!

وقال العلامة اللقاني - من أكابر علماء المالكية - في عقيدته المشهورة بالجوهرة:

وأوَل التشاجر الذي ورد

فهو اجتهاد فيه شادوا دينهم ... وقال العلامة عبد الغني النابلسي - من أكابر علماء الحنفية - في منظومة"كفاية الغلام":

وما جرى من الحروب بينهم

وبالذي فيه الإناء ناضح ... هذا هو الحق المبين الواضح

ومما يؤسف أيضا أن يقوم تلاميذ الحبشي بحذف هذين البيتين من المنظومة كما شوهد ذلك - فيما أخبرنا - على لوحة مسجد السمان في بيروت.

وفوق هذا كله يقوم الحبشي بأبشع الأساليب وأقبح الطرق وأسمجها لأجل أن يحرف كلام الإمام الطحاوي في عقيدته الشهيرة بعقيدة أهل السنة والجماعة، فيخرج عموم كلامه إلى خصوص لا تشهد له الحجة بل الحجة عليه في ذلك، فرأيناه يحتال - وهذه عادته - على عبارة الشيخ الطحاوي ترويجا لبدعته بين أصفياء المسلمين. يقول الإمام الطحاوي: (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) .

ويعلق الحبشي على كلمة"ولا نذكرهم إلا بخير. ."فيقول: (معناه في الإجمال لا نذكرهم إلا بخير، أما عند التفصيل فنذكر الأفراد على حسب صفاتهم للمقصد الشرعي، فليس معنى هذا الكلام أنه لا ينتقد أحد منهم، لا، بل من ثبت عليه شيء ينتقد عليه يقال ذلك) (ص213) من كتاب"إظهار العقيدة السنية!!"

ونعلق نحن هنا فنقول: لا در درك يا حبشي ولا كثر خيرك، فأي مصلحة ومقصد شرعي في الطعن بالصحابة، وأي انتقاد يؤخذ عليهم حتى لا يمكنك السكوت، أفلا يسعك ما وسع أهل العلم والديانة أم أن ذلك كبير عليك؟! وقد علمت نصوص الأئمة المتقدمة!!

بل إنه يكشف عن خبيئته وسوء نيته أكثر فأكثر فيقول: (ثم الصحابة على مراتب، قسم منهم بررة أخيار مقربون وقسم منهم منزلتهم دون ذلك. .) (ص213) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت