فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 3

قال: فقمنا إلى الأمير، وجاءوا هؤلاء الرفاعية، وهم جماعة كثيرون وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من حركة الرؤوس والاعضاء، والقفز والحبو والتقلب ونحو ذلك من الأصوات المنكرات والحركات الخارجة عن العادات، المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} .

فلما جلسنا وقد حظر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم، وحضر شيخهم الأول المشتكي، وشيخ اخر سمى نفسه خليفة سيده أحمد - انظروا ماذا قال ابن تيمية: سيده أحمد - ومركز على رأسه بعلمين، علم القطبية وعلم الغوثية!

قال ابن تيمية: وهم يسمونه عبد الله الكذاب!

ثم تكلموا بكلام مضمونه انهم يطلبون الصفح والعفو من ابن تيمية عن الماضي والتوبة، وانهم مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه البدع، ثم استدل شيخهم على حالهم ببعض الإسرائيليات.

قال ابن تيمية: فقلت: اما التوبة فمقبولة، يقول الله {غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب} ، وقال {نبئ عبادي اني انا الغفور الرحيم وان عذابي هو العذاب الاليم} .

وقلت لهم - اي ابن تيمية: ليس لنا ان نعتقد في ديننا بشيء من الإسرائيليات المخالفة لشرعنا، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في يد عمر بن الخطاب بعض كتب اليهود، فقال: (امتهودون يا ابن الخطاب!؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) .

وذكر - ابن تيمية - ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى مع اصحابه من كتب أهل الكتاب، فقال: (كفى بقوم ضلالة ان يتبعوا كتابا غير كتابهم، انزل إلى نبي غير نبيهم) ، وانزل الله عز وجل {اولم يكفيهم انا انزلنا عليك كتابا يتلى عليهم} .

قال: فنحن لا يجوز لنا اتباع موسى ولا عيسى فيما علمنا انه انزل عليهما من عند الله، إذا خالف شرعنا، وإنما علينا ان نتبع ما انزل علينا من ربنا، ونتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به رسولنا، كما قال تعالى: {وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهوائهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} ، فكيف يجوز لنا اتباع عباد بني اسرائيل {تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون} .

قال: ليس لاحد الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ولا الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله.

يقول رحمه الله: قال شيخهم - ورفع صوته: نحن لنا احوال كذا وكذا، وادعى احوال كالدخول في النار وغيرها، وانهم يستحقون تسليم الحال لاجلها!

فقلت ورفعت صوتي: انا اخاطب كل أحمدي - يعني رفاعي - أي شيء تفعلوه بالنار، فانا اصنع مثل ما تصنعون، لكن بعد ان نغسل جسومنا بالخل والماء الحار! فاخذ - شيخهم - يظهر القدرة على ذلك، وقال: انا وانت نقوم بعد ان نغسل جسومنا بالكبريت - حتى يشتعل بقوة -.

فقلت له: قم، واخذت اكرر عليه، قم! فقلت له: حتى نغتسل، فاظهر الوهم كعادته، وقال: من كان يحب الامير فليحضر حزمة حطب.

فقلت: بل قنديل، ادخل اصبعي واصبعك فيه بعد الغسل، ومن احترق اصبعه فعليه لعنة الله.

فلما قلت ذلك، تغير وذل واصفر وجهه.

قال رحمه الله: قلت، ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة، ولو طرتم في الهواء ومشيتم على الماء، ولو فعلتم وفعلتم، لم يكن في ذلك ما يدل على ما تدعونه من مخالفة الشرع ولا على ابطال الشرع، فإن الدجال الأكبر يقول للسماء امطري فتمطر، وللأرض انبتي فتنبت، وللخربة اخرجي كنوزك فتخرج كنوزها تتبعه، ويقتل الرجل ثم يمشي بين شقيه ثم يقول له قوم فيقوم، ومع هذا هو دجال كذاب ملعون لعنه الله. ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقع عظيم في القلوب.

وذكرت له قول ابو يزيد البسطامي: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الاوامر والنواهي، وذكرت قول الشافعي: اتدري ماذا يقول صاحبنا - يعني الليث بن سعيد - لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به.

وتكلمت في هذا ونحوه، ومشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير لطلب الصلح، والناس يطوفون في الميدان ويقولون {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون وغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} .

بعد ذلك طلبوا التوبة عما مضى، فقال الأمير لابن تيمية: ما تطلب منهم؟ قال رحمه الله: متابعة الكتاب والسنة وألا يتعقد أنه لا يجب عليهم اتباعه، لا يجوز لاحد الخروج عن الكتاب والسنة، والذي يوجب الكفر، وقد يوجب قتال الطائفة الممتنعة دون الواحد المقدور عليه.

قالوا: نحن ملتزمون بالكتاب والسنة!

قال الأمير: فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة؟

قلت - اي ابن تيمية: حكم الله والسنة كثير، ولكن المقصود ان يلتزموا هذا التزاما عاما، ومن خرج عنه ضربت عنقه، ومن ذلك الصلاة في مواقيتها كما أمر الله ورسوله، فإن من هؤلاء من لا يصلي، ومنهم من يتكلم في صلاته، حتى انه بالامس لما اشتكوا علي، جعل بعضهم يقول في الصلاة: يا سيدي أحمد شيء لله!

قال رحمه الله: جاءوا إلي هؤلاء الناس - يقصد الرفاعية - واخذوا يردون، واخذوا يصيحون، قالوا: فبأي شيء ترد الأحوال التي تأتينا هذه - الجنون الذي يصيبهم -؟ قال ابن تيمية: بهذه السياط الشرعية.

فاعجب الأمير وضحك، وقال: اي والله بالسياط الشرعية تخبوا هذه الأحوال الشيطانية، ومن لا يرجع إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية.

ونحن نقول إن الشياطين في عقول هؤلاء الأحباش تذهب بالسياط الشرعية، ومن لم تذهبه السياط الشرعية، تذهبه السيوف المحمدية بإذن الله تعالى.

ثم أخذ بعض هؤلاء الرفاعية يقول: اليهود والنصارى يقرون على ماهم عليه ونحن لا نقر؟!

فقال ابن تيمية: اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم رغم فجورهم، والمبتدع لا يقر على بدعته.

وافحموا عند ذلك، وكان نصرا عظيما للشيخ ابن تيمية رحمه الله. . .

ثم قال لهم بأعلى صوته: أنا كافر بكم، وباحوالكم، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون.

ونحن نقولها ايضا: اننا كافرون جميعا بهذه العقيدة، فكيدونا جميعا ثم لا تنظرون، والله أكبر، والله المستعان.

ها نحن قد وعينا السر الدفين في العداء بين هؤلاء وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

أما ما يدعونه على شيخ الإسلام، فتلك نقطة سنجعلها في اخر الكلام. . .

ثالثا: قضية الحاكمية وموقهم من الحكام - المرتدين: في مقال لهم - ومقالاتهم كثيرة نظرا للامكانيات التي تأتيهم من هنا وهناك - العنوان الرئيسي لهذا المقال: (( نعم للقائد الأسد محقق السلام في ربوع لبنان. . . بيعة مخلصة وولاء كامل للقائد الاسد. . . حبيب الشعب العادل وبطل مؤتمر مدريد! ) ).

واقتطع بعض المقاطع من المقال: (( نعم لسورية الأسد التي قدمت للبنان واللبنانيين الكثير بالوقوف إلى جانبهم في كافة المحن، نعم لقائد عرفناه ابا كبيرا لكل اللبنانيين وقائدا رمزا للأمة العربية، نعم لمن اعاد الابتسامة لاطفال لبنان!، نعم للرئيس الاسد، نعم لقيادة عززت مكانة العرب، نعم للسيد - سيدهم هم - الرئيس حافظ الاسد، نعم للسياسة التي حققت نجاحات واضحة على مختلف المحاور، نعم للسياسة التي وضعت كافة امكانياتها في خدمة المصالح القومية للامة العربية وزيادة التعاون بين الاقطار العربية لتحقيق وحدتها وحريتها! ان الشعب يقول نعم لقائد كان الاسبق والاحرص على مصالح الشعب، يعمل حين يرتاح الشعب، يتحدى ويتصدى ويناضل ويدعو الشعب للتصدي والتحدي والنضال معه، كل هذا من اجل الشعب ومصالحه وامنه وكرامته ومن اجل مصلحة الامة العربية ورسالتها، نعم لقائد مواقفه دروس نضالية، نعم لقائد لا يصارعه شعبه بل يصارع به ومعه وعنه، نعم لبحر من الطاقات والقدرات، بحر من الاخلاق العالية والسجايا، مدرسة في الفكر والانتماء!! ) )- اي والله هكذا يحكي -

ثم يخاطب الأسد: (( يا حبيب الشعب العادل، يا امل جماهير الامة، لقد وعدت ووفيت بكل ما وعدت، اعطيت وما توقف عطائك، بنيت وما توقف بنائك، بدأت مع الأمة العربية وبقيت معها ولها، وقد جابهت الصعاب دون وجل، واستمريت في التحدي دون كلل، لقد صمدت في سبيل الله وانتصرت واستمرت انتصاراتك. نعم لبطل الحرب والسلام، نعم لذو الموقف الريادي الذي نال تقدير العالم اجمع، نعم للانجازات الحضارية واتخاذ القرار الصعب للدفاع عن المقدسات. نعم تعني الثقة بنهج القائد، واستمرار دور سورية القيادي وتعزيز مسيرة امتنا العربية وطنيا وقوميا ودوليا، انتم الاقرب إلى جماهير الامة ومعاناتها، تتطلع إليكم العيون وتهفوا إليكم الافئدة، فعندكم العدل والانصاف، وعندكم القول والفصل، وعندكم مصلحة الجماهير العربية فوق كل مصلحة! ) ).

ليس فقط حافظ الاسد، ايضا إلياس الهراوي، في مجلتهم عدد 14 كانون الاول 1993 يقول نزار الحلبي: (( سيادة الرئيس ان رعايتكم للخط العربي اكسب لبنان منعة وقوة وشوكة، لم يكن ينعم بها ويعرف بها معنى الاستقلا لولاكم - لولا الكلب لدخل النار! - كما ان مواقفكم الجريئة والتنسيق الكامل مع الشقيقة سورية - هذا هو بيت القصيد - جعل للبنان مكانته وموقعه في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة العربية. . . عشتم وعاش لبنان / رئيس الجمعية نزار الحلبي ) ).

هذا موقفهم من الحكام - الكفرة والمرتدين -، اما ماذا يقولون عن من يقولون قولة الحق في قضية الحاكمية فسنرى بعد قليل.

ان من توحيد الله عز وجل، ان يكون له وحده حق الحكم والتشريع. .

يقول عز وجل: {ولا يشرك في حكمه احدا} وفي قراءة {ولا تشرك في حكمه احدا} ، يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله: (( لا يشرك الله عز وجل احدا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا، ولا حكم لغيره، فالحلال ما احله الله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه والقضاء ما قضاه ) ).

وقال رحمه الله: (( اي لا تشرك يا نبي الله، ولا تشرك ايها المخاطب احدا في حكم الله جل وعلا ) ).

يقول الله تعالى: {ان الحكم إلا لله امر ألا تعبدوا إلا اياه} .

ويقول: {ان الحكم إلا لله عليه توكلت} .

ويقول: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} .

ويقول: {ذلك بانه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} .

ويقول: {كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون} .

ويقول: {افغير الله ابتغي حكما وهو الذي إليكم الكتاب مفصلا} .

ويقول تعالى: {افحكم الجاهلية يبغون ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون} .

ولا يجتمع إيمان بالله وتحاكم إلى غيره، يقول عز وجل: {ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، ويقول: {الم تر إلى الذين يزعمون انهم امنوا بما انزل إليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالا بعيدا} .

يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله في تفسير هذه الآية: (( وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الامر لعدي ابن حاتم لما سئله عم قوله تعالى {اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله} انهم احلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما احل الله فاتبعوهم في ذلك، وان ذلك هو اتخاذهم اربابا ) ).

ويقول في موضع اخر - رحمه الله - في اضواء البيان: (( اشار إلى انه لا يؤمن احد حتى يكفر بالطاغوت، لقوله {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} ، ومفهوم الشرع ان من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى، فهو بمعزل عن الإيمان، لان الإيمان بالله هو العروة الوثقى، والإيمان بالطاغوت يستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله أو ركن منه، هذا هو صريح قوله تعالى {فمن يكفر بالطاغوت} . . ) ).

يقول ابن القيم رحمه الله: (( ثم اخبر سبحانه ان من تحاكم او حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود او متبوع او مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله تعالى ورسوله، او يعبدونه من دون الله، او يتبعونه على غير بصيرة من الله ) ). (اهلام الموقعين الجزء الاول) .

يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله، في تفسير {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} : يفهم من هذه الآية الكريمة انه لا يجوز التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد وضح الله تعالى هذا المفهوم موبخا المتحاكمين إلى غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مبينا ان الشيطان اضلهم ضلالا بعيدا، بقوله: {الم تر إلى الذين يزعمون انهم امنوا بما انزل إليك. . الآية} . . . )) . (اضواء البيان الجزء الاول) .

ويقول: (( بعد هذه النصوص السماوية التي ذكرناها يتبين لنا غاية البيان ان الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان، مخالفة لما شرعه الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وانه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله على بصيرته، واعماه عن نور الوحي مثلهم ) ). (اضواء البيان جزء 4 ص 83) .

يقول الإمام القرطبي: (( قال ابو علي: ان من طلب غير حكم الله من حيث لم يرضى به فهو كافر ) ). (ص 2185) .

قال ابن تيمية رحمه الله: (( ومعلوم بالضطرار من دين المسلمين، وباتفاق جميع المسلمين: ان من سوغ اتباع غير دين الإسلام، او اتباع غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر) . (الفتاوي الكبرى جزء 4) .

يقول ابن كثير رحمه الله، في قوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} : (( يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة انه لا يؤمن احد حتى يحكم الرسول في جميع الامور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب النقياد إليه ظاهرا وباطنا ) ).

ويقول ايضا، في تفسير {وما اختلفتم من شيء فحكمه إلى الله} : (( فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: {ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر} اي ردوا هذه الخصومات إلى الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر، فدل على ان من لم يتحاكم إلى الكتاب والسنة ولم يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله وباليوم الاخر ) ).

ويقول ايضا: (( فمن ترك التشريع المحكم المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة فقد كفر، فكيف بمن يتحاكم إلى الياسق(3) وقدمها عليها، لا شك ان هذا يكفر بإجماع المسلمين )).

يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله، في تفسير {فاولئك هم الكافرون} : (( الظاهر المتبادر من سياق الآيات انها نازلة في المسلمين، لانه تعالى قال قبلها مخاطبا مسلمي هذه الامة {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا ياياتي ثمنا قليلا} ثم قال {ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون} . . . ) ). (اضواء البيان الجزء2) .

يقول القرطبي في احكام اقرآن، نقلا عن القاضي: (( ظاهر الآيات يدل على ان من فعل مثل ما فعلوا - اي اليهود - واخترع حكما يخالف به حكم الله يعمل به فقد لزمه ما لزمهم من الوعيد المذكور. . /محاسن التاويل ) ).

بعض العلماء يقولون ان آية {ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون} عامة في كل من لم يحكم بما انزل الله، وبه قال السدي، وقال ابن مسعود: هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الامة، فكل من ارتشى وحكم بغير حكم الله فقد فسق وظلم وكفر.

هناك قوله يقولها - بعض الناس -"كفر دون كفر"، نعم قال ابن عباس رضي الله عنهما هذه القولة، ولكن هذا الكفر الدون اسمه كفر ايضا، ويقصد ابن عباس رضي الله عنهما: من عنده اصل التشريع هو الإسلام، ولكن في مسئلة او مسئلتين او اكثر لهوى في نفسه، وهو يعلم ان حكم الله هو الاولى وهو الاجدر وواجب الاتباع، وهو يعلم انه مقصر مذنب، هذا اسمه كفر دون كفر ولا يخرج به من الملة.

ولهذا يقول ابن ابي العز رحمه الله في شرح الطحاوية: (( وإن اعتقد وجوب الحكم بما انزل الله وعدل عنه مع اعترافه بانه مستحق للعقوبة، فهو عاص، ويسمى كفرا مجازيا او كفر اصغر ) ).

قال ابن القيم: (( فإن اعتقد وجوب الحكم بما انزل الله فعدل عنه فهذا كفر اصغر ) ). (مدارج السالكين) .

اما الذين يسوغون للناس حكما بغير ما انزل الله بصورة قوانيين وضعية - حتى وان وافق بعضها بعض ما انزل الله - فهذا ارتداد عن الدين بإجماع المسلمين، وكلام العلماء يدل على ان الحاكم الذي لا يحكم بما انزل الله يكون مجرما فاسقا ظالما كافرا كفر اصغر غير مخرج عن الملة مادام تتحقق فيه الشروط التالية:

1 -ان يكون الحكم في قضية معينة - واحدة - وليس منهج وسنة حياة.

2 -ان يعتقد وجوب الحكم بما انزل الله في هذه الواقعة التي لم يحكم فيها بما انزل الله.

3 -ان لا يعتقد انه مخير بالحكم او عدم الحكم بما انزل الله، مع تيقنه ان الحكم لله.

4 -ان يعتقد انه مرتكب حراما، فاعل قبيحا.

اما اذا اتى بشرع جديد من وضعه او وضع غيره فانه يكون مبدلا منحيا لحكم الله، ولا يدخل تحت هذا القسم مطلقا.

يقول ابن القيم رحمه الله: (( وان اعتقد انه غير واجب، وانه مخير فيه مع تيقنه انه حكم الله فهذا كفر اكبر ) ). (مدارج السالكين) .

ويقول شارح الطحاوية: (( وهنا امرر يجب ان يتفطن له، وهو ان الحكم بغير ما انزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه ان اعتقد ان الحكم بغير ما انزل الله غير واجب وانه مخير فيه، او استهان به مع تيقنه انه حكم الله فهذا كفر اكبر ) ).

وهناك كلام للشيخ احمد شاكر رحمه الله - طويل اختصر منه - يقول: (( ان اكثر الامم الإسلامية تكاد تندرج في هذه القوانيين المخالفة للشريعة والتي هي اشبه شيء بذلك الياسق الذي صنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانيين يتعلمها ابناء المسلمين ثم يجعلون مرد امرهم إلى هذا الياسق العصري، ويحقرون من يخالفهم في ذلك ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم رجعية إلى غير ذلك من الالفاظ البذيئة، بل انهم ادخلوا ايديهم إلى ما بفي من الحكم من التشريع الإسلامي يريدون تحويله إلى ياسقهم الجديد بالمكر والخديعة تارة وبما ملكت ايديهم من السلطات تارة، ويصرحون ولا يستحيون في انهم يعملون على فصل الدين من الدولة. . . افيجوز اذن لاحد من المسلمين ان يعتنق هذا الدين الجديد اعني التشريع الجديد او ان يلي رجل مسلم القضاءفي ظل هذا الياسق العصري وان يعمل به ويعرض عن شريعة الله البينة؟!. . . ما اظن ان رجلا مسلم يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلا ويؤمن بان هذا القرآن انزله الله على رسوله كتابا محكما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبان طاعته وطاعة رسوله الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما اظنه يستطيع إلا ان يجزم غير متردد ولا متاول بان ولاية القضاء في هذه الحالة باطل بطلان اصلي لا يلحقه التصحيح الإجازة. . . ان الامر في هذا القوانيين واضح وضوح الشمس: هي كفر بواح، ولا عذر لاحد ممن ينتسب إلى الإسلام كائنا من كان في العمل بها او اقرارها، فليحذر كل امرؤ لنفسه، وكل امرؤ حسيب نفسه ) ). (عمدة التفسير جزء 4 ص172 - 173) .

والنصوص كثيرة، ولكني اكتفي بهذا.

رابعا: قضية الاسماء والصفات: يقولون ان الذي يقول ان الله في السماء فقد كفر! ولا يجيزون - لذلك - ان يقال: اين الله؟

-وهذا عجيب - فقد ثبت ليس بقول مئة او مئتين، بل قول ائمة الإسلام قاطبة ان الحق الذي عليه اهل السنة والجماعة: ان الله عز وجل في السماء، كما صرح بنفسه، وبانه بائن من خلقه.

وثبت في الحديث - الذي هو صحيح عند ائمة الحديث - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل الجارية: (اين الله؟) فقالت: في السماء، قال صلى الله عليه وسلم: (من انا؟) قالت: انت رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: (اطلقها فانها مؤمنة) - سبحان الله أهؤلاء اعلم؟ ام رسول الله صلى الله عليه وسلم -

رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع لنا ان نختبر الاعتقاد بهذا السؤال، وهؤلاء يقولون لا يجوز ان تقول اين الله؟.

وبعضهم يقول: ان هذه المرأة كانت من العوام - لا تفهم -، وهذا اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم انه يقر الكفر في مجلسه، حاشاه صلى الله عليه وسلم

قضية الفوقية: هناك مثل عقلي يضربه ابن ابي العز شارح الطحاوية - ولله المثل الأعلى: لو ان احدنا معه شيء ووضعه في يده، أيكون ماسك الشيء داخل فيه أم بائن منفصل عنه فوقه؟ -إذا كان هذا في حق البشر، فكيف بالمولى عز وجل وهو يقول: {والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} .

الله عز وجل فوق المخلوقات، يقول تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} . ويقول: {يخافون ربهم من فوقهم} .

ومن الحديث، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي يرويه ابو هريرة في البخاري وغيره: (( لما قضى الله الخلق كتب في كتاب العلم، فهو عنده فوق العرش، ان رحمتي غلبت غضبي ) ).

وقال: (( بينما أهل الجنة، إذ سطع لهم نور، فرفعوا إليه رؤوسهم، فإذا الجبار جل جلاله قد اشرق عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم. ثم تلا قوله تعالى {سلام قولا من رب رحيم} ) ).

وأخرج مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير {هو الأول والاخر والطاهر والباطن} : (( انت الأول فليس قبلك شيء، وانت الاخر فليس بعدك شيء، وانت الظاهر فليس فوقك شيء، وانت الباطن فليس دونك شيء ) ). - والمراد بالظهور هنا هو العلو -

وأخرج ابو داوود رحمه الله: انه اتى اعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله جهدت الانفس وهلكت الاموال فاستسق لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ويحك اتدري ما تقول؟! ) )ثم سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه اصحابه، ثم قال: (( ويحك انه لا يستشفع بالله على احد من خلقه، شأن الله اعظم من ذلك، ويحك اتدري مالله، ان الله فوق عرشه، وعرشه فوق سمواته، وإنه ليئط به اطيط الرحل الجديد بالراكب ) ).

وقصة سعد بن معاذ في بني قريظة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ لما حكم في مكقاتلة بني قريظة: (( لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات ) ). - هذا الحديث متفق عليه -

وفي البخاري عن زينب، انها كانت تقول: (زوجكن اهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات) .

وعن عمر رضي الله عنه، انه مر بعجوز فاستوقفته فوقف معها يحدثها، فقال رجل: يا امير المؤمنين حبست الناس بسبب هذه العجوز؟! فقال: (ويحك اتدري من هذه؟! هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة التي انزل الله فيها {لقد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت