وعن عكرمة عن ابن عباس في قوله {ثم لاتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم} ، قال: (ولم يستطع ان يقول"من فوقهم"لانه قد علم ان الله سبحانه وتعالى من فوقهم) .
والاحاديث والآيات التي وردت في قضية الفوقية لا تنحصر، ولا ريب ان الله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - فتعين انه خلقهم خارج عن ذاته.
والمسلمون يدعون ربهم من فوقهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو - ويشير باصبعه إلى السماء: (( اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد ) ).
ونحن نقول في سجودنا: سبحان ربي الأعلى.
ويقول تبارك وتعالى: {امنتم من في السماء ان يخسف بكم الارض فإذا هي تمور} - هم يقولون ان من في السماء هم الملائكة! عجيب والله امر هؤلاء -
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: (( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) )، من الذي في السماء الذي يرحم الذين هم على الارض؟ - ومن هنا لا تفيد الظرفية وإنما تفيد"على"، أي على السماء، والسماء: هي كل ما علاك -
وقد جمع ابن القيم في كتابه"اجتماع الجيوش الإسلامية على عزو المعطلة والجهمية"اقوالا عديدة، لو سردتها لطال بنا المقام ولكن اذكر اقوالهم على العموم:
من اقوال المولى عز وجل كثير، والاحاديث كثيرة ايضا.
من اقوال الصحابة: قول لابي بكر، قول لعمر، قول لعبد الله بن رواحة، قول لعبد الله بن مسعود، قول لعبد الله بن عباس، قول لعائشة، قول لزينب، قول ابي امامة الباهلي، اقول للصحابة كلهم جميعا رضي الله عنهم.
من اقوال التابعين رحمهم الله: قول لعكرمة، قول لقتادة، قول لكعب الاحبار، قول مقاتل، قول للضحاك، قول للحسن، قول لمالك بن دينار، قول للربيعة بن عبد الرحمن، وغيرهم الكثير.
من اقوال تابعي التابعين: قول لعبد الله بن المبارك، قول للاوزاعي، قول لحماد بن زيد، قول لسفيان الثوري، وغيرهم.
وهناك اقوال للائمة الاربعة رحمهم الله، قول للامام مالك الصغير، قول للقاضي عبد الوهاب، قول حجة الإسلام ابي احمد بن الحسين.
من اقوال ائمة اهل الحديث: قول لابي هريرة، قول لسعيد بن عامر، قول لعاصم بن علي شيخ البخاري، قول لاسحاق بن راهوييه، قول للبشر ابن الوليد، قول لابن عينية، قول ليحيى بن معين، قول لعبد الوهاب الوراق، قول لابي زرعة، قول لابي حاتم، قول لمحمد بن اسماعيل البخاري، قول لمسلم بن الحجاج، قول لابن عيسى الترمذي قول للصابوني، قول لابي جعفر الطحاوي، قول لزكريا بن يحيا.
ومن اقوال ائمة التفسير: قول لابن عباس، قول لابن مسعود، قول لمجاهد، قول لقتادة، قول لعكرمة، قول لمقاتل، قول لبشر بن الحميد، قول للبغوي، قول للقرطبي، قول للطبري.
من اقوال ائمة اللغة: قول لمحمد بن الاعرابي، قول للخليل ابن احمد شيخ سيبويه، قول للاعمش. . . إلى اخره
ايكون كل هؤلاء وغيرهم كثير يقولون بان الله في السماء بائن من خلقه - كما قدمنا بالادلة - ويأتي اناس يزعمون ويقولون: ان الذي يقول ان الله في السماء - كما قال الله عز وجل - هو كافر؟!
قضية اخرى - وهي ليست الاخيرة عند هؤلاء - قضية تهجمهم على علماء الامة الافذاذ: ونخص بالذكر ابن تيمية رحمه الله وسيد قطب رحمه الله.
الشيخ ابن تيمية، موقفه من هؤلاء الرفاعية قديما ماذكرت، فهم يبغضون ابن تيمية لانه كان يواجه الذين ينصرون عقيدة ابن عربي لعنه الله في وحدة الوجود، ولان له اقوال تدمر وتدمدم على كراسي اي حكم لا يحكم بنا انزل الله - الامر الذي يعارض السبب في ايجاد هذه الطائفة هذه الايام تحديدا - لذا لا بد من الطعن فيه! - وكل امام وعالم يتكلم في قضية الحاكمية يرمونه بهذه الاتهامات ويكفرونه -
ويتهمون شيخ الإسلام بجملة اتهامات - حصرها الاخ دمشقية - يتهمون بها شيخ الإسلام كذبا وزورا، وقد وفقت في تعقب بعض هذه الاقوال والاتهامات الباطلة التي يدعونها، فوجدتها كلها كاذبة.
ابهذا البرود يدعون الكذب عليه، وكتبه موجودة؟!
لكن من هم هؤلاء الذين يطعنون في ابن تيمية، امام هؤلاء الذين اثنوا عليه من علماء الامة الافذاذ؟ فقد شهد العديد من الائمة المعتبرين بصلاح حال ابن تيمية وتفرده بسعة علمه واجتهاده واقتفائه اثر السلف الصالح، حتى قالوا: كأن السنة نصب عينيه. من هؤلاء:
الشيخ محمد بن ناصر الدين الدمشقي الشافعي، حتى انه ألف كتابا بعنوان"الرد الوافر على من زعم ان من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر"، اورد فيه شهادات لناس من كبار الائمة في الثناء على ابن تيمية.
ايضا من هؤلاء: الحافظ ابن حجر العسقلاني، الذي اثنى على ابن تيمية في"الدرر الكامنة"ودعى له بالرحمة، فقال: (قال شيخ شيوخنا الحافظ البزي في ترجة ابن تيمية: ان تكام في التفسير فهو حامل رايته، وان افتى في الفقه فهو مدرك غايته، وفي الحديث هو صاحب علم وذو رايته، برز على افذاذ جنسه) .
والشيخ ملا بن علي القارئ كان يذود عنه وعن تلميذه ابن القيم، ويقول: (من طالع"مدارج السالكين"تبين له انهما من كبار أهل السنة والجماعة) . والحافظ عمر بن علي البزار له كتاب اسمه"الاعلام العلية في مناقب ابن تيمية".
الشيخ محمد بن عبد الله القدسي، قال: (والله ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، يصده هواه عن الحق بعد معرفته به) - وقد صدق والله -
واثنى على ابن تيمية ابن سيد الناس، وكذلك الحافظان ابن كثير الذي اوضح في كتبه عقيدة الإمام وعلمه وكيد الحاسدين له، والحافظ ابن رجب، الذي قال: (هو الإمام الفقيه المجاهد المحدث الحافظ الزاهد تقي الدين ابن العباس شيخ الإسلام وعلم الأعلام، كان رحمه الله فريد دهره في فهم القرآن ومعرفة حقائق الإيمان) .
شرف الدين المقدسي، الذي كان يفتخر بابن تيمية وصحبه.
وابن عبد الهادي له كتاب اسمه"العقود الدرية في مناقب ابن تيمية"
والحافظ العلالي، قال: (اللهم متعنا بعلومه الفاخرة، وانفعنا به في الدنيا والاخرة) .
وكذلك عمر بن سعد والشيخ قاسم الحنفي وإمام الحنفية بدر الدين، ومحمد ابن احمد العيني، حتى انه قال: (من قال ابن تيمية كافر فهو الكافر حقا، ومن نسبه إلى الزندقة فهو زنديق، وكيف ذلك وقد طارت تصانيفه في الآفاق وليس فيها شيء مما يدل على ذلك والشقاق) .
كذلك السخاوي الذي ظل يحتج باين تيمية في نقد الروايات تصحيحا وتضعيفا، والسيوطي كذلك.
سبحان الله كل هؤلاء، وهذا المجرم - الحبشي - يقول: وهذا الذي يلقبونه بشيخ الإسلام! من هؤلاء الذين لقبوا ابن تيمية بشيخ الإسلام!!
والسيوطي قال عن ابن تيمية: (شيخ الإسلام، الحافظ الفقيه المجتهد المحدث البارع، شيخ الإسلام، نابغة العصر، علم الزهاد) .
الذهبي رحمه الله إذا ما ذكر ابن تيمية يقول: شيخنا، ويقول: شيخ الإسلام، ويقول في الجرح والتعديل: (توفي بالقلعة، شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، عن سبع وستين سنة واشهر، وشيعه خلق أقل ما قدروا بستين الفا، ولم يترك بعد من يقاربه في العلم والفضبل) .
ويقول في تذكرة الحفاظ: (كان من بحور العلم، ومن الاذكياء المعدودين والزهاد والاخيار والشجعان والكرماء الاجواد، وسارت بتصانيفه الركبان، وقد امتحن واوذي وحبس بقلة الاسكندرية والقاهرة ومصر مرتين وبها توفي، ثم جهز واخذ إلى جامع البلد فشهده امم لا يحصون حددوا بستين الفا، ما رأيت مثله) .
والحافظ ابن رجب ينقل عن الذهبي، ان ابن تيمية كان: (امام متبحرا بعلوم الديانة، صحيح الذهن، كثير المحاسن، لا لذة له إلا في نشر العلم وتبليغه ما استطاع) .
فأمام هؤلاء العلماء الأفذاذ من هذا يا ترى الذي يتقول على ابن تيمية، أين الثرى من الثريا؟! واين الجوزاء من موطئ النعال؟!
يقول البوطي: (نحن نعجب عندما نجد غلاة يكفرون ابن تيمية رحمه الله ويقولون انه كان مجسما، ولقد بحثت طويلا علي اجد الفكرة أو الكلمة التي كتبها أو قالها ابن تيمية والتي تدل على تجسيمه، فلم اجد كلاما في هذا قط! كلما وجدته انه في فتواه يقول: ان لله يدا كما قال، واستوى العرش كما قال، وله عين كما قال) ، واضاف: (ورجعت إلى اخر ما كتبه ابو الحسن الاشعري - اي كتاب الابانة، والذي يطعنون في ابن تيمية يقولون نحن اشاعرة - فرائيته كما يقول ابن تيمية) ، وانتهى إلى القول: (اذن فلماذا نحاول ان نعظم وهما لا وجود له؟!) .
ومن جملة هذه الافتراءات على ابن تيمية، قصة يرونها عن ابن بطوطة!، وابن بطوطة هذا ليس من علماء الحديث الرواة ولم يدرس عند علماء الجرح والتعديل - وقد حقق بعضهم كتابه وكذب هذه المقولة عن ابن بطوطة، وقال هذه مكذوبة عنه وهي إضافة لإنسان ذكر اسمه - فكان هذا محض افتراء على شيخ الإسلام رحمه الله، فإنه كان قد سجن بقلعة دمشق قبل مجيئ ابن بطوطة باكثر من شهر، فقد اتفق المؤرخون انه سجن بالقلعة لاخر مرة في اليوم التاسع من شعبان سنة 29 ولم يخرج إلا ميتا - وهذا ما نطق به ابن كثير والحافظ ابن رجب والحافظ عبد الهادي، بينما ذكر المؤرخ في صفحة 202 من كتابه انه وصل دمشق في التاسع من رمضان.
كما ان ابن تيمية كان واعظا، وكان يدرس جالسا على كرسي، وكان خطيب المسجد الأموي في ذلك الوقت قاضي القضاة - اي انه لم يقف على المنبر في ذلك الوقت لما كان قاضي القضاة خطيبا -
وهم ودائما ينسبون إلى ابن تيمية كلام في قضية التشبيه، بل الحق ان ابن تيمية يكفر هؤلاء الذين يشبهون - سبحان الله القول الذي يكفر من قاله، نسبوه إليه - يقول رحمه الله في مجموع الفتاوى جزء 11 ص 482: (فمن قال ان علم الله كعلمي او قدرته كقدرتي او استواءه على العرش كاستوائي أو"نزوله كنزولي"او اتيانه كاتياني، فهذا قد شبه الله بخلقه تعالى عما يقولون، وهو ضال مفسد خبيث بل كافر) .
هذا قول ابن تيمية، فكيف يقولون: قال ابن تيمية نزول الله كنزولي هذا؟!
كذلك يقولون ان ابن تيمية يصف لله حدا!، وهذا جهل من هؤلاء الذين يقولون هذا على ابن تيمية رحمه الله، وكان على هذا الذي يقول على ابن تيمية هذه القولة ان يعرف موقفه رحمه الله من هذا فقد شرحه في مواطن كثيرة، فقال في الرسالة التدمرية: (ان كان المراد من معناه ان الله تحده المخلوقات، فالله اعظم واكبر بل قد {وسع كرسيه السموات والارض} ، وقال تعالى {والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} ، وفي حديث ابن عباس:(ما السموات السبع والارضون السبع ومن فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد احدكم) . . . وان اراد ان الله منحاز عن المخلوقات اي مباين لها منفصل عنها ليس حال فيها - ولو قيل غير هذا لقلت ان الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا يحل في الكلاب والخنازير - فهو سبحانه كما قال ائمة اهل السنة والجماعة فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه).
ويقول: (ومن قال ان الله متحيز على معنى ان المخلوقات تحده او تحيط به فقد اخطأ، ومن قال - ان الله لا داخل في المخلوقات ولا خارج عنها - فقد اخطأ) .
كذلك يقولون انه يقول بفناء النار، وهذه اشاعة يشيعها عنه مبغضيه رحمه الله، وكلام كاذب وباطل، وكتبه نصت على دوام النار إلى الابد، يقول رحمه الله: (وقد اتفق سلف الامة وائمتها وسائر اهل السنة والجماعة على ان من المخلوقات من لا يعدم ولا يفتى مثل الجنة والنار والعرش، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من المبتدعين كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واجماع سلف الامة وائمتها) . (مجموع الفتاوي جزء 18 ص 307) . - فكيف يتقولون على شيخ الإسلام انه قال بفناء النار، حسبنا الله ونعم الوكيل -
وقال: (قال اهل الإسلام جميعا: ليس للجنة والنار اخر وإنهما لا تزالان باقيتين، لا يزال اهل الجنة يتنعمون واهل النار يتعذبون، ليس لذلك اخر) . (درء التعرض جزء2) . وقال في تلبيس الجهمية: (وقد اخبر الله ببقاء الجنة والنار بقاء مطلق) .
زيقول ايضا: (والجهم يقول بفناء الجنة والنار، وخالفه جماهير المسلمين) . (الفتاوي جزء 8، ومنهاج السنة في ثلاث مواضع) .
هذا قول ابن تيمية رحمه الله وتبعه في هذا تلميذه ابن القيم رحمه الله.
فبعد هذا، اي كلام تسمعونه عن ائمة المسلمين - خاصة عن ابن تيمية - فابدأوا أولا بالسؤال:"من اين جئتم بهذا؟ نريد المصدر"وستجدونه عكس ما قيل.
اما عن موقفهم من الشيخ سيد قطب رحمه الله:، فقد رأيت في احدى مجلاتهم مقال كبير للتحذير من كتاب في ظلال القرآن، لانه يقول ان الله في كل مكان!، ورأيت الفقرة التي ذكرها الشيخ سيد قطب رحمه الله، ووجدتها تقول غير هذا تماما، لانه يعني ان الله معه، وهو معكم اينما كنتم بعلمه ورعايته، وهي المعية الخاصة التي تفيد النصر والرعاية.
ويقول ان الشيخ سيد قطب رحمه الله قال:"الريشة المبدعة" (4) وهو رحمه الله كان اديبا، وقد اقتبس هذه اللفظة من قوله تعالى: {وهو الذي صوركم فاحسن صوركم} .
ومع هذا اترون هذه اللفظة تنقيصا لله عز وجل، ولا ترون تنقيصا لله عز وجل انه ينزل شرعة على رسوله وتدنس، ويأتي الحكام - المرتدون - ويدنسونها وتقولون انهم ليسوا بكفار وان الذين يخرجون عليهم - خوارج -؟!
اليس تنقيصا لله عز وجل ان يقف العبد على قبر ويدعو ويستغيث؟!
اهذا تنقيص ام ذاك؟!
والسؤال: لماذا سيد قطب؟ لان سيد قطب يقض مضاجع - المرتدين - الذين جاءوا بهؤلاء - خاصة هذه الايام - كي ينغصوا على الناس دينهم.
وهناك قضايا اخرى كثير ة عندهم مثل القول ان القرآن ليس كلام الله، وإنما هو عبارة عن كلام الله!، وان الله ليس قادر على كل شيء لانه يكون بهذا قادرا على نفسه! - جمعوا بين الجهل والصفاقة وقلة الحياء والعمالة -
*اخيرا اقول: ان من اعتقد هذا الاعتقاد، مصوب لتلك الطريقة: خارج عن الملة، وشيخهم هذا - والله اعلم - زنديق.
وقال الشيخ ابن باز في فتوى له تحت رقم 2392/ 2: (هذه الطائفة معروفة لدينا، فهي طائفة ضالة، ورئيسهم عبد الله الحبشي معروف بانحرافه وضلاله، والواجب مقاطعتهم وانكار عقيدتهم الباطلة، والتحذير منهم ومن الاستماع لهم او قبول ما يقولون) .
وانا اقول بعد ما قدمناه: احذروا هؤلاء الناس.
واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد.
(1) تعريف بالشيخ ابي طلال القاسمي - نقلا عن مجلة نداء الإسلام - بتصرف يسير: ألفَيتُ القلم عصيبًا, وأنا أُراغم نفسي على تلبية رغبةٍ تأزّمت لها مشاعري, إذ طلب إليّ بعض إخواني أن أكتب عن أستاذ صديق, كان بكلّ المقاييس فوق العادة, وكذلك كان حادث تغييبه كما العهد بكلّ معالم سيرته.
إنّه الداعية المجاهد, والكاتب الأديب, والمربّي والخطيب طلعت فؤاد قاسم, الشهير بأبي طلال القاسمي. . كذلك كانت كنيته وبها كان يناديه إخوانه وتلامذته صغيرهم وكبيرهم, فيشرق وجهه بابتسامة وضيئة, مع كلمات من الإجابة والبشر. .
بدأ أبو طلال القاسمي حياته عاشقًا للأدب منذ صباه, وكانت له محاولات أدبيّة وإنتاج واعد في دراسته الثانويّة, حتّى التحق بكليّة الهندسة جامعة المنيا, وهناك - كما كان الحال في كلّ جامعات مصر في منتصف السبعينات- أخذت الصحوة الإسلامية تبعث ضياءها في جنبات البلاد طولًا وعرضًا, ومع أنّ الصحوة كانت لا تزال غضّة طريّة إلا أنّها بدت فتيّة صلبة العود منذ نشوئها.
فراح الشباب يتصدّى لمظاهر العصيان باللسان وباليد أيضًا إن لزم الأمر, يدفعه إلى ذلك إيمان خالطت بشاشته القلوب والتزامٌ صادف قلوبًا على الفطرة, وعقولًا وجدت ضالّتها بعد حقبةٍ من التيه والحيرة, وبعدما أعلنت كلّ الأطروحات اليساريّة والعلمانيّة إفلاسها وعجزها.
كان التنامي المطّرد للجماعات الإسلامية في جامعات مصر, مع تميّزها الواضح عن الاتجاهات الموجودة يومئذٍ؛ حدثًا حرّك في نفسيّة القاسمي روح التأمّل والتقويم, ثمّ جاءت حركة التغيير الاجتماعيّة داخل مجتمع الجامعة على يد الإسلاميين لتصادف نفسيّةً جسورة توّاقة وقلبًا جريئًا غير هيّاب, يعرف ذلك عن أبي طلال كلّ من عاشره.
فسرعان ما دلف الرجل إلى حياة الالتزام, وقد كان لنشأته الدينيّة دور كبير في تهيئته لسلوك هذا الطريق, وما أن خطى فيه الخطوة الأولى حتّى هرول متقدّمًا الصفوف, أهَّله لتلك المكانة الخاصّة قوّة الحافظة, وفصاحته الخطابيّة, وشخصيّته الآسِرَة التي حازت احترام إخوانه ومحبّتهم منذ عهده بالالتزام.
فتولّى مسؤولية الجماعة الإسلامية بكليّته ثمّ أميرًا لجامعة المنيا كلّها في الفترة ما بين 79 - 1981م, وكانت جامعات الصعيد قد توحّدت تحت مجلس شوري واحد برئاسة د. ناجح إبراهيم, واختير طلعت قاسم ليكون أحد أعضاء المجلس المختار على مستوى الجامعات.
وكانت جماعة الإخوان المسلمين استطاعت في ذلك الوقت أن تستقطب بعض القيادات الطلاّبية من الإسلاميين, حيث كانت قيادات الإخوان حديثة عهد بالخروج من السجن, وكانوا إلى هذا الوقت يقضون أحكامًا مؤبّدة ومؤقّتة منذ محاكمات الحقبة الناصريّة الجائرة, فأرادوا أن يعودوا إلى ساحة العمل الإسلامي من خلال شباب الجامعات الذي استطاع أن يشقّ له طريقًا إلى قلوب الناس, وأن يتحوّل إلى تيّار جماهيري امتدّ إلى خارج أسوار الجامعة.
ولقد كان للقاسمي دور كبير في الحفاظ على التوجّه السلفي للجماعة الإسلامية داخل جامعة المنيا في حين كانت القيادات القديمة للجماعة ألحقت بعض مساجد الجماعة المنتشرة في المدينة بجماعة الإخوان.
كما كانت للقاسمي محاولات لإقناع القيادات المستقطبة بالعدول عن قرارها بدخول جماعة الإخوان, ولكنّ كان الأمر قد خرج من يدهم.
وفي سنة 1981 وبالتحديد في الخامس من سبتمبر أصدر الهالك السادات قرارات التحفّظ الأخيرة, وكان القاسمي وقت ذاك طريح الفراش وقدَمُه بالجبس فلم يتمكّن من مغادرة بيته رغم تسريب خبر التحفّظ عبر أحد ضبّاط الأمن المتعاطفين في رسالة يحذّر فيها قيادات الجماعة من القبض عليهم خلال أيّام, حيث سارعت كلّ القيادات إلى الاختفاء إلا القاسمي الذي أقعده المرض حتّى قُبِضَ عليه, وكأنّ الأقدار ادّخرته لأمر آخر, إذ كان وجوده في السجن أثناء عمليّة اغتيال السادات سببًا في تخفيف الحكم عليه إلى سبع سنوات وعدم دخوله في قضيّة الاغتيال أصلًا, وإلاّ فإنّه كان من الطبيعي أن يشمله قرار الاتهام باعتباره عضو مجلس شورى التنظيم السرّي للجماعة.
عقب خروج القاسمي من حبسه بعد قضاء سبع سنوات هي مدّة العقوبة المحكوم عليه بها, لم يكد يستقرّ في بيته حتّى انطلق بحماسته المعهودة يدعو إلى الله, وينظّم أمور الشباب في مختلف محافظات مصر حتّى قُبِض عليه بعد بضعة أشهر فقط من خروجه من السجن, وأثناء ترحيله من أحد السجون تمكّن من الهروب بعد أن غافل حارسه, تاركًا معه حقيبته الخاصّة التي جعلت الرجل يطمئنّ إلى أنّه سيعود حتّى بعد أن انقضى على هروبه عدّة أيّام (!!) .
وتمكّن القاسمي من إعداد أوراق سفر بشخصيّة أخرى, ليغادر مصر مودّعًا لها بعاطفة مشبوبة, بينما هو يحلم باللحظة التي تتحرّر فيها من قبضة الطغاة, وتعود الكنانة ضاحكة السن بسّامة المحيّا.
لقد كان على موعد مع الجهاد في سبيل الله, وهناك فوق أرض أفغانستان المسلمة ضمّ إلى صدره البندقيّة, قد كان ذلك حلمه وأمله, وانطلق يجمع مع قيادات الجماعة إخوانه من شتّى بقاع الأرض عازمين على أن يعودوا رجال مصر الفاتحين, وعلى يد بعض من شارك في إعدادهم كان هلاك رفعت المحجوب في عملية متقنة رفيعة المستوى أدهشت العالم وأطاشت عقل النظام.
ومن فوق أرض أفغانستان إنطلقت أوّل مجلّة دورية سيارة تتحدّث باسم الجماعة الإسلامية, وقد اختار لها أبو طلال اسم"المرابطون", وكان يكتب أكثرها, ليمنحها من دمه روائع صياغاته وبليغ عباراته, وسرًّا آخر من كتاباته يجعلها نافذة إلى الأسماع موضوعًا لها القبول في قلوب الخلق.
وبعد أن تغيّرت الأوضاع في أفغانستان, اضطرّ الرجل إلى الرحيل وطاف بعدّة بلدان باحثًا عن مأوىً لدعوته, حتّى استقرّ به المقام في دولة الدانمارك, وهناك حصل على حقّ اللجوء السياسي, ومن خلال تواجده هناك بدأ ينشط في دعوته حتّى سلّمت له منابرها بالريادة والأستاذيّة, رغم أن غيره من الدعاة بها كانوا أسبق عليه.
وفي نقلة نوعيّة فذّة, بل في طفرة قويّة, استطاع ذلك الطامح أن يؤسّس أوّل برنامج تلفزيوني إسلامي تمكّن من خلاله من عرض فكر الجماعة الإسلامية بمصر, وبيان منهجها ومشاريعها التغييرية في صفائها ونقائها وأصالتها, بعيدًا عن تشويه الإعلام الرسمي وتزويره وتشنيعه.
فلم يكن غريبًا بعد كلّ هذا أن تضيق به قوى الكفر والردّة فتمالأت عليه خمسة أجهزة مخابرات بقدّها وقديدها وهو في طريقة إلى البوسنة ليسلّموه إلى عصابة الحكم في مصر, وليكون آخر حدث نشهده لأبي طلال ككلّ وقائع سيرته ولن يكون الأخير.
فإن يكونوا قتلوه فإلى الله مع الخالدين -نحسبه كذلك- وإن يكن حيًّا فهو لم يزل كذلك بأعماله وتلامذته ورجاله. .
فأبشر أبا طلال.
(2) للمزيد راجع كلام الشيخ أبو قتادة في الجرح والتعديل عن هذه الطائفة.
(3) الياسق: دستور وشريعة جنكيز خان، وقد اقتبسها من التوراة والإنجيل والقرآن وبعض العادات والتقاليد الوثنية.
(4) يقول الشيخ عبد الله عزام رحمه الله: وتوحيد الاسماء والصفات، ان تثبت لله عز وجل الاسماء الحسنى والصفات العليا، التي وردت في الكتاب والسنة الصحيحة. هذه الاسماء نثبتها كما جاءت، دون تحريف ولا تأويل، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل. ولذا لا يجوز اشتقاق اسماء جديدة لله عز وجل، فالله عز وجل سمى نفسه جبارا، فلا نسميه جابرا، ولا يجوز ان تطلق على الله عز وجل، اسم (المستوي) اشتقاقا من (( الرحمن على العرش استوى ) )، قال ابن حزم: (اجمعت الامة على انه لايجوز لاحد ان يسمي ابنه"عبد المستوي"، ولا ان يقول يا مستوي ارحمني) . ومن هنا فيجب ان نعرف لله اسمائه، ويجب ان نقدره ولا نشتق له اسماء جديدة.