الصفحة 1 من 2

[الكاتب: ابن تيمية]

وهي من اعظم ما تصدى له وقام به شيخ الاسلام تقي الدين احمد بن تيمية قدس الله روحه من اقامة فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واحياء السنة ومحاربة البدعة، بعد ان اهمل ذلك الحكام فالعلماء، ففشت البدع وصار كثير منها يعد من شعائر الدين او خصائص الصالحين، فكان رحمه الله من اعظم المجددين.

قال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، واشهد ان لا اله الا الله رب السموات والارضين، واشهد ان محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم تسليمًا دائمًا الى يوم الدين.

اما بعد:

فقد كتبت ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الامارة والميدان بحضرة الخلق من الامراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في امر البطائحية - يوم السبت تاسع جمادى الاولى سنة خمس - لتشوق الهمم الى معرفة ذلك وحرص الناس على الاطلاع عليه، فان من كان غائبًا عن ذلك قد يسمع بعض اطراف الواقعة، ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع، ومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غيره ويره، لانتشار هذه الواقعة العظيمة، ولما حصل بها من عز الدين وظهور كلمته العليا وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة وظهور زيف من خرج عن ذلك من اهل البدع المضلة والاحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين.

وقد كتبت في غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء البطائحية وطريقهم وطريق الشيخ احمد بن الرفاعي وحاله وما وافقوا منه المسلمين وما خالفوهم، ليتبين ما دخلوا فيه من دين الاسلام وما خرجوا فيه عن دين الاسلام، فان ذلك يطول وصفه في هذا الموضع.

وانما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة المشهورة في مناظرتهم ومقابلتهم.

وذلك اني كنت اعلم من حالهم بما قد ذكرته في غير هذا الموضع وهو: انهم وان كانوا منتسبين الى الاسلام وطريقة الفقر والسلوك ويوجد في بعضهم التعبد والتاله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ذلك ما يوجد، فيوجد ايضًا في بعضهم من الشرك وغيره من انواع الكفر ومن الغلو والبدع في الاسلام والاعراض عن كثير مما جاء به الرسول والاستخفاف بشريعة الاسلام والكذب والتلبيس واظهار المخارق الباطلة واكل اموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله ما يوجد.

وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم بعض ما فيهم من حق وباطل واحوالهم التي يسمونها الاشارات، وتاب منهم جماعة وادب منهم جماعة من شيوخهم، وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق مثل ملابسة النار والحيات واظهار الدم واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك، وان عامة ذلك عن حيل معروفة واسباب مصنوعة، واراد غير مرة منهم قوم اظهار ذلك فلما راوا معارضتي لهم رجعوا ودخلوا على ان استرهم فاجبتهم الى ذلك بشرط التوبة، حتى قال لي شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم باني ادخل معكم النار بعد ان نغتسل بما يذهب الحيلة ومن احترق كان مغلوبًا فلما راوا الصدق امسكوا عن ذلك.

وحكى ذلك الشيخ انه كان مرة عند بعض امراء التتر بالمشرق وكان له صنم يعبده، قال: فقال لي:"هذا الصنم ياكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى اثر الاكل في الطعام بينا يرى فيه"، فانكرت ذلك، فقال لي:"ان كان ياكل انت تموت"، فقلت:"نعم فاقمت عنده الى نصف النهار ولم يظهر في الطعام اثر فاستعظم التتري ذلك واقسم بايمان مغلظة انه كل يوم يرى فيه اثر الاكل لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك!"، فقلت لهذا الشيخ:"انا ابين لك سبب ذلك، ذلك التتري كافر مشرك ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الاثر في الطعام، وانت كان معك من نور الاسلام وتاييد الله تعالى ما اوجب انصراف الشيطان عن ان يفعل ذلك بحضورك، وانت وامثالك بالنسبة الى اهل الاسلام الخالص كالتتري بالنسبة الى امثالك، فالتتري وامثاله سود واهل الاسلام المحض بيض، وانتم بلق فيكم سواد وبياض"، فاعجب هذا المثل من كان حاضرًا.

وقلت لهم في مجلس اخر: لما قالوا:"تريد ان نظهر هذه الاشارات؟".

قلت:"ان عملتوها بحضور من ليس من اهل الشان من الاعراب والفلاحين او الاتراك او العامة او جمهور المتفقهة والمتفقرة والمتصوفة لم يحسب لكم ذلك، فمن معه ذهب فليات به الى سوق الصرف الى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص من المغشوش من الصفر، لا يذهب الى عند اهل الجهل بذلك".

فقالوا: لي:"لا نعمل هذا الا ان تكون همتك معنا".

فقلت:"همتي ليست معكم، بل انا معارض لكم، مانع لكم، لانكم تقصدون بذلك ابطال شريعة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم".

فان كان، فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة، كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ البر مطوقين باغلال الحديد في اعناقهم وهو واتباعه معروفون بامور، وكان يحضر عندي مرات فاخاطبه بالتي هي احسن، فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذي يتميزون به عن المسلمين ويتخذونه عبادة ودينًا، يوهمون به الناس ان هذا لله سر من اسرارهم وانه سيماء اهل الموهبة الالهية السالكين طريقهم - اعني طريق ذلك الشيخ واتباعه - خاطبته في ذلك بالمسجد الجامع.

وقلت:"هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ولا فعل ذلك احد من سلف هذه الامة ولا من المشايخ الذين يقتدي بهم، ولا يجوز التعبد بذلك ولا التقرب به الى الله تعالى، لان عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة، ولباس الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء، للحديث المروي في ذلك، وهو؛ ان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى على رجل خاتمًا من حديد فقال:"ما لي ارى عليك حلية اهل النار"، وقد وصف الله تعالى اهل النار بان في اعناقهم الاغلال، فالتشبه باهل النار من المنكرات".

وقال بعض الناس:"قد ثبت في الصحيح عن ابي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث الرؤيا قال في اخره [احب القيد واكره الغل، القيد ثبات في الدين] فاذا كان مكروهًا في المنام فكيف في اليقظة".

فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من كلام او نحوًا منه مع زيادة، وخوفته من عاقبة الاصرار على البدعة، وان ذلك يوجب عقوبة فاعله، ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت اكثره لبعد عهدي به.

وذلك ان الامور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين، ولا التقرب بها الى الله، ولا اتخاذها طريقًا الى الله وسببًا لان يكون الرجل من اولياء الله واحبائه، ولا اعتقاد ان الله يحبها او يحب اصحابها كذلك او ان اتخاذها يزداد به الرجل خيرًا عند الله وقربة اليه، ولا ان يجعل شعارًا للتائبين المريدين وجه الله الذين هم افضل ممن ليس مثلهم.

فهذا اصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به: وهو ان المباحثات انما تكون مباحة اذا جعلت مباحات، فاما اذا اتخذت واجبات او مستحبات، كان ذلك دينًا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرام الا ما حرمه الله، ولا دين الا ما شرعه الله.

ولهذا عظم ذم الله في القران لمن شرع دينًا لم ياذن الله به، ولمن حرم ما لم ياذن الله بتحريمه، فاذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات او المحرمات.

ولهذا كانت هذه الامور لا تلزم بالنذر، فلو نذر الرجل فعل مباح او مكروه او محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه اذا نذر طاعة الله ان يطيعه، بل عليه كفارة يمين اذا لم يفعل عند احمد وغيره، وعند اخرين لا شيء عليه، فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين.

وعهود اهل الفتوة ورماة البندق ونحو ذلك ليس على الرجل ان يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله الا ما كان دينًا وطاعة لله ورسوله في شرع الله.

لكن قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك، ولهذا امرت غير واحد ان يعدل عما اخذ عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة او مشتملة على انواع من البدع الى ما هو خير منها من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم واتباع الكتاب والسنة.

اذ كان المسلمون متفقين على انه لا يجوز لاحد ان يعتقد او يقول عن عمل انه قربة وطاعة وبر وطريق الى الله واجب او مستحب الا ان يكون مما امر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وذلك يعلم بالادلة المنصوبة على ذلك، وما علم باتفاق الامة انه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز ان يعتقد او يقال انه قربة وطاعة.

فكذلك هم متفقون على انه لا يجوز قصد التقرب به الى الله ولا التعبد به ولا اتخاذه دينًا ولا عمله من الحسنات فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ولا بارادة وعمل.

وباهمال هذا الاصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء اذا لم يكن محرمًا لا ينهى عنه، بل يقال انه جائز، لا يفرقون بين اتخاذه دينًا وطاعة وبرًا وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم ان اتخاذه دينًا بالاعتقاد او الاقتصاد او بهما وبالقول او بالعمل او بهما من اعظم المحرمات واكبر السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي اعظم من المعاصي التي يعلم انها معاصي سيئات.

فصل

فلما نهيتهم عن ذلك اظهروا الموافقة والطاعة، ومضت على ذلك مدة والناس يذكرون عنهم الاصرار على الابتداع في الدين واظهار ما يخالف شرعة المسلمين، ويطلبون الايقاع بهم، وانا اسلك مسلك الرفق والاناة، وانتظر الرجوع والفيئة، واؤخر الخطاب الى ان يحضر ذلك الشيخ المسجد الجامع.

وكان قد كتب الي كتابًا بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار وعتب واثار، وهو كلام باطل لا تقوم به حجة، بل اما احاديث موضوعة او اسرائيليات غير مشروعة، وحقيقة الامر الصد عن سبيل الله واكل اموال الناس بالباطل.

فقلت لهم:"الجواب يكون بالخطاب، فان جواب مثل هذا الكتاب لا يتم الا بذلك".

وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه.

وهؤلاء هم من اهل الاهواء الذين يتعبدون في كثير من الامور باهوائهم لا بما امر الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم: {ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} ، ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون.

وفيهم شبه قوي من النصارى الذي قال الله تعالى فيهم {يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا اهواء قوم قد ضلوا من قبل واضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل} .

ولهذا كان السلف يسمون اهل البدع"اهل الاهواء".

فحملهم هواهم على ان تجمعوا تجمع الاحزاب ودخلوا الى المسجد الجامع مستعدين للحراب بالاحوال التي يعدونها للغلاب.

فلما قضيت صلاة الجمعة ارسلت الى شيخهم لنخاطبه بامر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونتفق على اتباع سبيله، فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم الى قصر الامارة، وكانهم اتفقوا مع بعض الاكابر على مطلوبهم، ثم رجعوا الى مسجد الشاغو - على ما ذكر لي - وهم من الصياح والاضطراب على امر من اعجب العجاب، فارسلت اليهم مرة ثانية لاقامة الحجة والمعذرة وطلبًا للبيان والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة.

فعمدوا الى القصر مرة ثانية، وذكر لي انهم قدموا من الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج والازباد والارعاد واضطراب الرؤوس والاعضاء والتقلب في نهر بردى واظهار التوله الذي يخيلوا به على الردى وابراز ما يدعونه من الحال والمحال الذي يسلمه اليهم من اضلوا من الجهال.

فلما رأى الامير ذلك هاله ذلك المنظر، وسال عنهم، فقيل له:"هم مشتكون!".

فقال:"ليدخل بعضهم".

فدخل شيخهم واظهر من الشكوى علي ودعوى الاعتداء مني عليهم كلامًا كثيرًا - لم يبلغني جميعه -

لكن حدثني من كان حاضرًا ان الامير قال لهم:"فهذا الذي يقوله من عنده او يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟".

فقالوا:"بل يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم".

قال:"فاي شيء يقال له".

قالوا:"نحن لنا احوال وطريق يسلم الينا".

قال:"فنسمع كلامه فمن كان الحق معه نصرناه".

قالوا:"نريد ان تشد منا".

قال:"لا، ولكن اشد من الحق سواء كان معكم او معه".

قالوا:"ولا بد من حضوره؟".

قال:"نعم".

فكرروا ذلك، فامر باخراجهم.

فارسل الي بعض خواصه - من اهل الصدق والدين ممن يعرف ضلالهم - وعرفني بصورة الحال، وانه يريد كشف امر هؤلاء، فلما علمت ذلك القي في قلبي ان ذلك لامر يريده الله من اظهار الدين وكشف حال اهل النفاق المبتدعين، لانتشارهم في اقطار الارضين.

وما احببت البغي عليهم والعدوان ولا ان اسالك معهم الا ابلغ ما يمكن من الاحسان.

فارسلت اليهم من عرفهم بصورة الحال، واني اذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال وكثر فيكم القيل والقال، وان من قعد او قام قدام رماح اهل الايمان فهو الذي اوقع نفسه في الهوان.

فجاء الرسول واخبر انهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار الذين يعرفون حقيقة الاسرار، واشاروا عليهم بموافقة ما امروا به من اتباع الشريعة والخروج عما ينكر عليهم من البدع الشنيعة، وقال شيخهم الذي يسيح باقطار الارض - كبلاد الترك ومصر وغيرها:"احوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله"، وانهم نزعوا الاغلال من الاعناق واجابوا الى الوفاق.

ثم ذكر لي انه جاءهم بعض اكابر غلمان المطاع، وذكر انه لا بد من حضورهم لموعد الاجتماع، فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى القي في قلبي ان ادخل النار عند الحاجة الى ذلك، وانها تكون بردًا وسلامًا على من اتبع ملة الخليل، وانه تحرق اشباه الصابئة اهل الخروج عن هذه السبيل، وقد كان بقايا الصابئة اعداء ابراهيم امام الحنفاء بنواحي البطائح منضمين الى من يضاهيهم من نصارى الدهماء.

وبين الصابئة ومن ضل من العباد المنتسبين الى هذا الدين نسب يعرفه من عرف الحق المبين، فالغالية من القرامطة والباطنية كالنصيرية والاسماعيلية يخرجون الى مشابهة الصابئة الفلاسفة، ثم الى الاشراك، ثم الى جحود الحق تعالى.

ومن شركهم الغلو في البشر، والابتداع في العبادات.

والخروج عن الشريعة له نصيب من ذلك بحسب ما هو لائق، كالملحدين من اهل الاتحاد والغالية من اصناف العباد.

فلما اصبحنا، ذهبت للميعاد، وما احببت ان استصحب احدًا للاسعاد، لكن ذهب ايضًا بعض من كان حاضرًا من الاصحاب، والله هو المسبب لجميع الاسباب.

وبلغني بعد ذلك انهم طافوا على عدد من اكابر الامراء، وقالوا انواعًا مما جرت به عادتهم من التلبيس والافتراء الذي استحوذوا به على اكثر اهل الارض من الاكابر والرؤساء.

مثل زعمهم ان لهم احوالًا لا يقاومهم فيها احد من الاولياء، وان لهم طريقًا لا يعرفها احد من العلماء، وان شيخهم هو في المشايخ كالخليفة، وانهم يتقدمون على الخلق بهذه الاخبار المنيفة، وان المنكر عليهم ما هو اخذ بالشرع الظاهر غير واصل الى الحقائق والسرائر، وان لهم طريقًا وله طريق، وهم الواصلون الى كنه التحقيق، واشباه هذه الدعاوي ذات الزخرف والتزويق.

وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد واستحواذهم على الملوك والامراء والاجناد لخفاء نور الاسلام واستبدال اكثر الناس بالنور الظلام وطموس اثار الرسول في اكثر الامصار ودروس حقيقة الاسلام في دولة التتار لهم في القلوب موقع هائل ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل.

قال المخبر: فغدا اولئك الامراء الاكابر وخاطبوا فيهم نائب السلطان بتعظيم امرهم الباهر، وذكر لي انواعًا من الخطاب - والله تعالى اعلم بحقيقة الصواب - والامير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق.

فاعاد الرسول لي مرة ثانية، فبلغه انا في الطريق، وكان كثير من اهل البدع الاضداد كطوائف من المتفقهة والمتفقرة واتباع اهل الاتحاد مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم مجهزين لمن يعينهم في حضورهم.

فلما حضرت وجدت النفوس في غاية الشوق الى هذا الاجتماع متطلعين الى ما سيكون طالبين للاطلاع، فذكر لي نائب السلطان وغيره من الامراء بعض ما ذكروه من الاقوال المشتملة على الافتراء، وقال انهم قالوا:"انك طلبت منهم الامتحان وان يحموا الاطواق نارًا ويلبسوها".

فقلت:"هذا من البهتان".

وها انا ذا اصف ما كان. . .

قلت للامير:"نحن لا نستحل ان نامر احدًا بان يدخل نارًا، ولا يجوز طاعة من يامر بدخول النار، وفي ذلك الحديث الصحيح، وهؤلاء يكذبون في ذلك، وهم كذابون مبتدعون قد افسدوا من امر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم"، وذكرت تلبيسهم على طوائف من الامراء، وانهم لبسوا على الامير المعروف بالايدمري وعلى"قفجق"- نائب السلطنة - وعلى غيرهما، وقد لبسوا ايضًا على الملك العادل كتفًا في ملكه وفي حالة ولاية حماه، وعلى امير السلاح اجل امير بديار مصر.

وضاق المجلس عن حكاية جمع تلبيسهم على الايدمري؛

وانهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن احوال بيته الباطنة ثم يخبرونه بها على طريق المكاشفة، ووعدوه بالملك.

وانهم وعدوه ان يروه رجال الغيب فصنعوا خشبًا طوالًا وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب باكر الزجاج فجعلوا يمشون على جبل المزة، وذاك يرى من بعيد قومًا يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن الارض واخذوا منه مالًا كثيرًا ثم انكشف له امرهم.

قلت للامير - وولده هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك وهو ممن حدثني بهذه القصة:

"واما قفجق؛"

فانهم ادخلوا رجلًا في القبر يتكلم واوهموه ان الموتى تتكلم.

واتوا به في مقابر باب الصغير الى رجل زعموا انه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان، ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته، وقالوا؛ [انه طلب منه جملة من المال] ، فقال قفجق: [الشيخ يكاشف، وهو يعلم ان خزائني ليس فيها هذا كله] ، وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد الذي الصقوه على جلده من جلد الماعز"."

فذكرت للامير هذا - ولهذا قيل لي انه لما انقضى المجلس وانكشف حالهم للناس كتب اصحاب قفجق اليه كتابًا وهو نائب السلطنة بحماه يخبره بصورة ما جرى -

وذكرت للامير انهم مبتدعون بانواع من البدع مثل الغلال ونحوها، وانا نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة.

فذكر الامير حديث البدعة وسالني عنه، فذكرت حديث العرباض بن سارية، وحديث جابر بن عبد الله، وقد ذكرتهما بعد ذلك في المجلس العام كما ساذكره.

قلت للامير:"انا ما امتحنت هؤلاء، لكن هم يزعمون ان لهم احوالًا يدخلون بها النار وان اهل الشريعة لا يقدرون على ذلك، ويقولون لنا هذه الاحوال التي يعجز عنها اهل الشرع فليس لهم ان يعترضوا علينا بل يسلم الينا ما نحن عليه - سواء وافق الشرع او خالفه - وانا قد استخرت الله سبحانه انهم ان دخلوا النار ادخل انا وهم، ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوبًا، وذلك بعد ان نغسل جسومنا بالخل والماء الحار".

فقال الامير:"ولم ذاك؟!".

قلت:"لانهم يطلون اجسامهم بادوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر الطلق وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، وانا لا اطلي جلدي بشيء، فاذا اغتسلت انا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق".

فاستعظم الامير هجومي على النار، وقال:"اتقبل ذلك؟!".

فقلت له:"نعم، قد استخرت الله في ذلك والقى في قلبي ان افعله، ونحن لا نرى هذا وامثاله ابتداءً، فان خوارق العادات انما تكون لامة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة او حاجة، فالحجة لاقامة دين الله، والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء اذا اظهروا ما يسمونه اشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون انها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا ان ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من ارواحنا وجسومنا واموالنا، فلنا حينئذ ان نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيد الله به من الايات، وليعلم ان هذا مثل معارضة موسى السحرة لما اظهروا سحرهم ايد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم".

فجعل الامير يخاطب من حضره من الامراء على السماط بذلك، وفرح بذلك، وكانهم كانوا قد اوهموه ان هؤلاء لهم حال على رده.

وسمعته يخاطب الامير الكبير - الذي قدم من مصر الحاج بهادر - وانا جالس بينهما على راس السماط بالتركي، ما فهمته منه انه قال:"اليوم ترى حربًا عظيمًا"، ولعل ذلك كان جوابًا لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل.

وحضر شيوخهم الاكابر، فجعلوا يطلبون من الامير الاصلاح واطفاء هذه القضية ويترفقون.

فقال الامير:"انما يكون الصلح بعد ظهور الحق".

وقمنا الى مقعد الامير بزاوية القصر انا وهو و"بهادر"فسمعته يذكر له ايوب الحمال بمصر والمولهين ونحو ذلك، فدل ذلك على انه كان عند هذا الامير لهم صورة معظمة، وان له فيهم ظنًا حسنًا والله اعلم بحقيقة الحال، فانه ذكر لي ذلك، وكان الامير احب ان يشهد"بهادر"هذه الواقعة ليتبين له الحق، فانه من اكابر الامراء واقدمهم واعظمهم حرمة عنده، وقد قدم الان وهو يحب تاليفه واكرامه.

فامر ببساط يبسط في الميدان، وقد قدم البطائحية - وهم جماعة كثيرون - وقد اظهروا احوالهم الشيطانية من الازباد والارغاء وحركة الرؤوس والاعضاء والطفر والحبو والتقلب ونحو ذلك من الاصوات المنكرات والحركات الخارجة عن العادات المخالفة لما امر به لقمان لابنه في قوله: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك} .

فلما جلسنا، وقد حضر خلق عظيم من الامراء والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم، وحضر شيخهم الاول المشتكي، وشيخ اخر يسمى نفسه خليفة سيده احمد ويركب بعلمين، وهم يسمونه عبد الله الكذاب! - ولم اكن اعرف ذلك -

وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة، واظهر ما جرت به عادتهم من المسائلة، فاعطيته طلبته ولم اتفطن لكذبه حتى فارقني، فبقي في نفسي ان هذا خفي على تلبيسه الى ان غاب، وما يكاد يخفى علي تلبيس احد بل ادركه في اول الامر فبقي، - ذلك في نفسي ولم اره قط - الى حين ناظرته، ذكر لي انه ذاك كان اجتمع بي قديمًا! فتعجبت من حسن صنع الله! انه هتكه في اعظم مشهد يكون، حيث كتم تلبيسه بيني وبينه.

فلما حضروا تكلم منهم شيخ - يقال له حاتم - بكلام مضمون طلب الصلح والعفو عن الماضي والتوبة، وانا مجيبون الى ما طلب من ترك هذه الاغلال وغيرها من البدع ومتبعون للشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت