ربه -جل وعلا- فيحفظه ويعيه، ثم يبلغه لأصحابه -رضي الله عنهم- فيحفظونه كذلك، ويحفظونه لغيرهم كما سمعوه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجودا مرتلا، عملا بتوجيه الله تعالى في قوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} 1.
ومع أن الأمة العربية التي شرفت بنزول القرآن الكريم بلغتها كانت تعتمد على الحفظ أكثر من اعتمادها على الكتابة، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -زيادة في التوثيق- اتخذ له كُتَّابا يكتبون له ما ينزل به الوحي، ومنهم: الخلفاء الأربعة، وأبان بن سعيد، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن الوليد، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهم جميعا.
فكان كلما نزلت آية أو آيات أمرهم -صلى الله عليه وسلم- بكتابتها، بعد أن يدلهم على موضعها من السورة، فيقول لهم:"ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا، قبل كذا وبعد كذا ..."2 كما كان سائر الصحابة يكتبون لأنفسهم مثل ذلك، متحرين الدقة والأمانة في كل ما يقرءون أو يكتبون: فكانوا إذا تماروا3 في الآية يقولون: إنه أقرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية فلان بن فلان، وهو على رأس أميال من المدينة، وفي رواية: على رأس ثلاث ليال، فيبعث إليه من المدينة، فيجيء، فيقولون: كيف أقرأك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آية كذا وكذا؟
فيقول: كذا وكذا. فيكتبون كما قال4.
وكانوا يكتبون ذلك على عسب السعف -وهو الطرف العريض من جريد النخل- والألواح من أكتاف الغنم وغيرها من العظام الطاهرة، والرقاع -وهي الجلود- واللخاف -وهي الحجارة العريضة البيض التي تشبه الألواح- وغير ذلك من الوسائل التي كانت متيسرة حينذاك.
1 المزمل: 4.
2 رواه أبو داود في سننه بنحوه في كتاب الصلاة، باب من جهر بها، أي بالبسملة، والترمذي في أبواب التفسير، في تفسير سورة التوبة، وقال: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس، والإمام أحمد في المسند"1/ 57، 59"، والنسائي في فضائل القرآن، والحاكم في المستدرك"2/ 221-222"، وأبو داود في المصاحف"1/ 230".
3 تماروا: أي تجادلوا.
4 انظر: المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار لأبي عمرو الداني ص8.