الصفحة 21 من 40

لقد قامت للأمّة المسيحية دول كثيرة في بقاع الأرض، فخبروني أيّ دولة مسيحية سنّت لرعيتها قوانين تلائم سيرة رسولها من العفو عن الجناة، واللين لمن أغلظ، وخفض الجناح لمن اشتدّ؟ وإذا لم تكن في سيرة رسول من رسل الله أسوة لأتباع ذلك الرّسول أنفسهم؛ فكيف يكون حالها؟! [1]

بعث الله الأنبياء والرسل- قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى كلّ بلد وقرية، ليكونوا بسيرتهم الصالحة المستقيمة أسوة لأممهم، فتتبع الشعوب التي بعثوا إليها السنن التي يسنونها لأفرادهم وجماعاتهم، فيستقيموا، ويفلحوا جميعا، أو تهتدي بهدي الأنبياء والرسل طوائف من قومهم على الأقل، فيواصلوا الدّعوة، ويسيروا في طريق الحقّ. وقد بعث الله إلى الإنسانية خاتم رسله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بشيرا للناس كافة ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، ورحمة للعالمين، لتكون لهم فيه أسوة، ويكون لهم من حياته الشريفة قدوة، ثم يكون مثلا أعلى للذين يأتون بعده إلى أن تقوم الساعة. وقد جاء في القرآن الكريم على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [يونس: 16] ، وذلك أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولد فيهم، وترعرع بينهم، ونشأ أمام أعينهم، وعاش بين ظهرانيهم برهة من الدّهر قبل بعثته، فعرفوا أخلاقه كل المعرفة، وجرّبوا عاداته وأعماله، فهو لم يكن فيهم غريبا، ولا خاملا، ولا مجهول الأحوال. والوحي الإلهي في هذه الآية يقدّم حياة الرسول وسيرته الطاهرة قبل البعثة دليلا على نبوّته - صلى الله عليه وسلم - وأنّ رسالته هي من عند الله العظيم؛ ليؤمن به العرب، ويصدّقوه فيما يخبر به، أو يدعو إليه، فإنّهم قد علموا مصبحه وممساه، واختبروا أخلاقه وعاداته من صباه ونعومة أظافره إلى أن شبّ واكتهل، وأعلن نبوّته، وخرج إلى الناس يدعوهم برسالة الإسلام [2] .

(1) الرسالة المحمدية (ص: 119) كان الواعظ الذائع الصيت الأستاذ حسن علي (أحد كبار الكتاب والوعاظ في الهند في مطلع القرن العشرين، توفي سنة 1921 م.) - رحمه الله- يصدر في (بتنه) قبل خمسين عاما مجلة (نور الإسلام) وقد قال في جزء منها: إن صديقا له من البراهمة قال له: قال أحد البراهمة: إني أرى رسول الإسلام أعظم رجال العالم، وأكملهم

(2) الرسالة المحمدية (ص: 22)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت