فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 55

رغم أن ابن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا: إن الرجل غرر به، لا يعرفني ولا أعرفه، فلا عداوة بيني وبينه، أطلقوا سراحه، ولكن الزبير بن باديس المحامي (شقيق الشيخ المعتدي عليه) قام باسم العائلة يدافع عن شرفها، ويطالب بحقها في تنفيذ الحكم قائلا: إن أخي بفعل الصدمة لم يعد يعي ما يقول إلى غير ذلك مما جرى في المحاكمة.

لقد عاش الشيخ عبد الحميد بن باديس للفكرة والمبدأ ومات وهو يهتف «فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب» لم يحد عن فكرته ومبدئه قيد أنملة حتى آخر رمق من حياته، ولم يبال بصحته الضعيفة التي تدهورت كثيرا في السنتين الأخيرة من حياته، هذا هو ابن باديس الذي عرفته الجزائر عالما عاملا، وفقيها مجتهدا، ومربِّيا مخلصا، ومصلحا، وسياسيا، وإماما كان يقضي بياض نهاره وسواد ليله في خدمة دينه ولغته وبلاده. هذا هو الرجل الذي كان قلب الجزائر النابض، وروحها الوثابة وضميرها اليقظ، وفكرها المتبصر، ولسانها المبين، لم يضعف أمام هجمات الاستعمار المتتالية، ولم يستسلم لمناوراته وتهديداته، ولا للإغراءات والمساومات، بل بقي ثابتا على مبادئه صامدا حتى آخر حياته.

مساء يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة (1359 هـ) ، الموافق 16 أبريل (1940 م) ، على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها، متأثرًا بمرضه بمسقط رأسه مدينة قسنطينة، وكان محاطا بوالده وشقيقه الأكبر «الزبير» والطبيب الفرنسي القادم من العاصمة «ليفي فالونزي» وابن خاله الطبيب القسنطيني الشهير «بن جلول» ، وقد مات رحمه الله ولم تكن في رأسه شعرة بيضاء واحدة.

ولما أعلن البرّاح في الناس خبر وفاته اهتزّت أوجاع تلاميذه ومساعديه في مهنة التعليم والمتاعب، وعندما شاع خبر وفاته في الجزائر بكاه أبناء الوطن بكاءا حارا كما بكاه عارفوه، ومقدرو علمه، وجهاده، في سبيل الجزائر والإسلام، والعروبة، في كل من المغرب وتونس وليبيا، والمشرق العربي والعالم الإسلامي.

وقد شيعت جنازته في اليوم التالي لوفاته الموافق عصر يوم الأربعاء 9 ربيع الأول سنة (1359 هـ) ، الموافق 17 أبريل (1940 م) ، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة ما يزيد عن مائة ألف نسمة، جاءوا من كافة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت