(ثم قال:) انْحَصَرَتْ طُرُقُ الطَّالِبِينَ عِنْدِي فِي أَرْبَعِ فِرَقٍ:
1 -الْمُتَكَلِّمُونَ: وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ.
2 -وَالْبَاطِنِيَّةُ: وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ التَّعَلُّمِ، وَالْمُخَصِّصُونَ بِالِاقْتِبَاسِ مِنْ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ.
3 -وَالْفَلَاسِفَةُ: وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْمَنْطِقِ. وَالْبُرْهَانِ.
4 -وَالصُّوفِيَّةُ: وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ خَوَاصُّ الْحَضْرَةِ، وَأَهْلُ الْمُكَاشَفَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ.
فَقُلْت فِي نَفْسِي: الْحَقُّ لَا يَعْدُو هَذِهِ الْأَصْنَافَ الْأَرْبَعَةَ؛ فَهَؤُلَاءِ هُمْ السَّالِكُونَ سُبُلَ طَرِيقِ الْحَقِّ، فَإِنْ سُدَّ الْحَقُّ عَنْهُمْ، فَلَا يَبْقَى فِي دَرْكِ الْحَقِّ مَطْمَعٌ [1] .
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مَقْصُودَ الْكَلَامِ وَفَائِدَتَهُ: الذَّبُّ عَنْ السُّنَّةِ بِالْجَدَلِ، لَا تَحْقِيقُ الْحَقَائِقِ، وَأَنَّ مَا عَلَيْهِ الْبَاطِنِيَّةُ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الْفَلْسَفَةَ بَعْضُهَا حَقٌّ وَبَعْضُهَا كُفْرٌ، وَالْحَقُّ مِنْهَا لَا يَفِي بِالْمَقْصُودِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَقْبَلَ بِهِمَّتِهِ عَلَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ، وَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إلَّا بِعِلْمٍ وَعَمَلٍ، فَابْتَدَأَ بِتَحْصِيلِ عِلْمِهِمْ مِنْ مُطَالَعَةِ كُتُبِهِمْ، مِثْلَ"قُوتِ الْقُلُوبِ"لِأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ، وَكُتُبِ الْحَارِثِ المحاسبي، والمتفرقات الْمَأْثُورَةِ عَنْ الْجُنَيْد وَالشِّبْلِيِّ وَأَبِي يَزِيدَ، حَتَّى طَلَعَ عَلَى كُنْهِ مَقَاصِدِهِمْ الْعِلْمِيَّةِ ...
إلَى أَنْ قَالَ: انْكَشَفَ لِي فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْخَلَوَاتِ أُمُورٌ لَا يُمْكِنُ إحْصَاؤُهَا وَاسْتِقْصَاؤُهَا، وَالْقَدْرُ الَّذِي أَذْكُرُهُ لِيُنْتَفَعَ بِهِ: أَنِّي عَلِمْت يَقِينًا أَنَّ الصُّوفِيَّةَ هُمْ السَّالِكُونَ لِطَرِيقِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَأَنَّ سِيرَتَهُمْ أَحْسَنُ السِّيَرِ، وَطَرِيقَتَهُمْ أَصْوَبُ الطُّرُقِ، وَأَخْلَاقُهُمْ أَزْكَى الْأَخْلَاقِ ...
قُلْت: يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ أَسَاسَ الطَّرِيقِ هِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، كَمَا قَرَّرْته غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهَذَا أَوَّلُ الْإِسْلَامِ؛ الَّذِي جَعَلَهُ هُوَ النِّهَايَةَ.
وَبَيَّنْت الْفَرْقَ بَيْنَ طَرِيقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَطَرِيقِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِين، لَكِنْ هُوَ لَمْ يَعْرِفْ طَرِيقَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ الْعَارِفِينَ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ الْمَحْضَةُ الشَّاهِدَةُ عَلَى جَمِيعِ الطُّرُقِ )) .
هذا تقرير شيخ الإسلام المنصف لحال أبي حامد وقتئذٍ.
(1) تأمل كيف أعرض عن طريقة السلف: أهل الحديث: أهل السنة والجماعة صدقًا وعدلًا ولعل عذره أنه لا يعرف طريقتهم بناء على ما يأتي إن شاء الله من مصادره التي أثرت فيه جليًا رحمه الله وعفا عنا وعنه.