وكذا حكى أن الكلام عند الأشاعرة مشترك بين الحروف المسموعة والمعنى النفسي [1] ، وإنما هو مذهب متأخري الأشاعرة، وأما الكلام عند الأشاعرة فهو اسم للمعنى فقط [2] .
وجاء في رسالة ابن عطوة أن الإمام أحمد وأصحابه والجمهور يقولون: إن الكلام هو الأصوات والحروف، والمعنى النفسي قد يسمّى كلامًا أو يسمى مجازًا [3] .
والتحقيق أن المعنى النفسي يسمى كلامًا بالقرينة، وأما عند الإطلاق فالكلام يتناول مجموع اللفظ والمعنى، فلا يطلق على أحدهما إلا بقرينة [4] ، وأما دعوى أن الإمام أحمد قد سمىّ المعنى النفسي كلامًا من باب المجاز، فهذا دعوة تحتاج إلى بينة، لاسيما وأن معنى المجاز عند الإمام أحمد هو ما يجوز في اللغة، ولم يُرد أحمد بالمجاز قسيم الحقيقة، ولم يعن بالمجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له - كما حرره ابن تيمية [5] -
وأطال ابن عطوة في نقل كلام الطوفي، وفيه أن اللفظ إذا كان دائرًا بين الحقيقة والمجاز، فعند الإطلاق لا ينصرف إلى أحدهما، بل يتوقف على القرينة .. [6]
والتحقيق أن الحقيقة هي اللفظ الذي يدلّ بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة [7] ،"وصرف نصوص الصفات عن ظاهرها، وحقيقتها المفهومة منها، إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة، لابد فيه من أربعة أشياء .. [8] "، والمقصود أن الأصل في الكلام هو الحقيقة، فإذا أطلق الكلام فيراد به الحقيقة.
والمقصود أن رسالة"طَرف الطُرف"في أصلها موافقة لمذهب السلف الصالح، لكن قد فات على مؤلفها - رحمه الله - التمييز بين كتب الأصحاب التي على مذهب أهل السنة المحضة، وما ليس كذلك من آراء الحنابلة التي تلبّست بشيء من الكلام لأبي يعلى وابن الجوزي وابن الزاغوني والطوفي ونحوهم، فهو يورد بعض التقريرات الكلامية في مقام الاحتجاج - كما سبق آنفًا -
(1) انظر: طُرَف الطَّرف صـ 40.
(2) انظر: التسعينية 2/ 675، والدرء 10/ 222، والإيمان صـ 162.
(3) انظر: طُرَف الطَّرف صـ 48.
(4) انظر: الدرء 2/ 329، ومجموع الفتاوى 12/ 35، 76.
(5) انظر: كتاب الإيمان صـ 84، 85.
(6) انظر: طُرَف الطَّرف صـ 49.
(7) انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية صـ 112.
(8) الرسالة المدنية لابن تيمية = بتصرف يسير صـ 39.