-الأول: أن (مَنْ) حرف شرط، والحكم المعلق بشرطٍ عُدم عند عدمه، حتى عند أكثر نفاة المفهوم، والحكم المذكور هنا: وجوب فدية على التخيير إذا حلق، فلو كانت هذه الفدية مشروعة في حال العذر وعدمه للزم إبطال فائدة الشرط والتخصيص.
-الثاني: المريض ومن به أذى معذور في استباحة المحظور، والمعذور يناسب حاله التخفيف عنه والترخيص له، فجاز أن تكون التوسعة له في التخيير لأجل العذر؛ لأن الحكم إذا علق بوصف مناسب كان ذلك الوصف علة له، وإذا كان علة التوسعة هو العذر؛ لم يجز ثبوت الحكم بدون علته.
-الثالث: أن الله سماها فدية، والفدية إنما تكون في الجائزات كفدية الصيام؛ وهذا لأن الصائم والمحرم ممنوعان مما حرم عليهما، ومعلوم أنه إذا لم يحتج إلى الحلق لم يأذن الله له أن يفتدي نفسه ولا يفك رقبته من الإحرام، فلا يكون الواجب عليه فدية، والله سبحانه إنما ذكر التخيير تقسيمًا للفدية، وتوسيعًا في الافتداء، فلا يثبت هذا الحكم في غير الفدية، وبهذا يظهر الفرق بين هذه الفدية وبين جزاء الصيد وكفارة اليمين؛ لأن الله ذكر التخيير في جزاء الصيد مع النص على أنه قتله متعمدًا، فكان التخيير في حق المخطئ أولى، وذكر الترتيب والتخيير في كفارة اليمين مطلقًا.
-وأيضًا: فإنها كفارة وجبت لفعل محظور، فتعين فيها الدم ككفارة الوطء وتوابعه، ومعلوم أن إلحاق المحظور بالمحظور أولى من إلحاقه بجزاء الصيد؛ ولأنها كفارة وجبت لجناية على الإحرام لا على وجه المعاوضة، فوجب الدم عينًا كترك الواجبات، وعكسه جزاء الصيد؛ فإنه بدل لمتلف، فهو مقدر بقدر مبدله، وأبدال المتلفات لا يفرق فيها بين متلف ومتلف ... وهذا بخلاف المعذور، فإن الحلق صار في حقه مباحًا جائزًا، ولم يصر في الحقيقة من محظورات الإحرام إلا بمعنى أن جنسه محظور؛ كالأكل في رمضان للمسافر والمريض، ولهذا نوجب على من جامع ناسيًا الكفارة، ولا نوجبها على من أبيح له الفطر
-إذا أراد الحلق أو اللبس أو الطيب لعذر؛ جاز له إخراج الفدية بعد وجود السبب المبيح وقبل فعل المحظور، كما يجوز تحليل اليمين بعد عقدها وقبل الحنث؛ سواء كانت صيامًا، أو صدقة، أو نسكًا
-يجوز إخراج الفدية حيث وجبت من حل أو حرم، وكذا حيث جازت؛ لأن الله سبحانه سمى الدم الواجب هنا نسكًا، والنسك لا يختص بموضع، فإن الضحايا لما سميت نسائك جاز أن تذبح في كل موضع؛ سواء كانت واجبة أو مستحبة، كما قال: (( إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ) ) [الأنعام:162] ، وقال النبي لأبي بردة: (هي