لا يتعلق الذَّوق الأدبي إذًا بالشكل الفني فحسب، بل به وبالمضمون معًا؛ إذ هما مرتبطان، بل ملتحمان، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، اللهم إلا على المستوى النظري فقط، أما في الواقع فالفصل غير ممكن، والذين يظنون أن التذوق الأدبي لا علاقة له إلا بالجانب الفني في القصيدة أو المقال أو المسرحية ... هم ناسٌ يَهيمون في الفراغ أو يجْرُون وراء الأوهام؛ إذ أين يمكن أن نجد الشكل الفني منفصلًا عن مضمونه؟ إننا لو عملنا على مسايرة هؤلاء النقاد وحاولنا التوصل إلى شكل قصيدة من القصائد، فأين يا ترى نجد الوزن دون الكلمات التي وُزنت عليه؟ وأين نجد البناء بعيدًا عما احتوته من أغراض أو أفكار أو أحداث أو مشاعر أو ما إلى ذلك؟ وأين نجد حرف السين مثلًا الذي يكثر في البيت الفلاني للإيحاء بجو الهمس والإسرار إلا إذا أوردنا الألفاظ التي يظهر فيها هذا الحرف؟ الواقع أن هناك من البشر مَن رُزقوا القدرة على الجدال في البدهيات وإثبات المستحيلات دون أن يطرف لهم جَفن!
والعجيب أن أمثال هؤلاء النقاد كثيرًا ما تجرُّهم تحليلاتهم التي يحاولون أن يثبتوا بها دعاواهم إلى عتبات الحقيقة الساطعة سطوع الشمس في رائعة النهار، فيظن القارئ الطيب أنهم بسبيلهم إلى الإفاقة من غاشيتهم والتسليم بالحق الذي كانوا من قبل يكابرون فيه، لكنه لدهشته الشديدة يفاجأ بهم وقد استداروا على أعقابهم يَعْدُون بأقصى ما يستطيعون من قوة عائدين من حيث أتوا، أو يراهم وقد أغلقوا عيونهم كيلا يروا ما هو ماثل أمامهم، ثم زادوا فعصبوا تلك العيون بأغطية تحول تمامًا بينها وبين الشعور بأن هناك بالخارج ضوءًا!
وللأسف فإن بين هؤلاء السابحين وراء الوهم في الفراغ كتَّابًا كِبارًا؛ كالدكتور زكي نجيب محمود، خذ مثلًا ما يقوله من أن"مادة الشعر الكلمات، والكلمات في نشأتها الأولى رموز تواضَع عليها أبناء الجماعة الواحدة لترمز إلى شيء سواها حتى ليستطيع المتكلم أن يُنِيب كلمة عن مسماها، فإذا أراد أن يحدِّث سامعه عن"شجرة"لم تكن به ضرورة أن يذهبا معا إلى حيث يريان شجرة ماثلة أمام بصريهما، بل تكفيه الكلمة بديلًا عن مسماها ... ومن ثَمَّ كانت اللغة في نشأتها الأولى أداة اجتماعية بالضرورة، فما خُلقت إلا لأن أكثر من شخص واحد قد اجتمعوا على أهداف مشتركة: فمنهم المتكلم، ومنهم السامع، ولو نشأ إنسان واحد بمفرده في جزيرة معزولة ما تكلم، لكن هذه الأداة اللغوية سرعان ما تحولت عن طبيعتها تلك الأولى إلى طبيعة ثانية، فأصبحت لها طبيعتان، ولمن يستخدمها من الناس حق اختيار إحدى الطبيعتين وَفْق الغاية التي يريد تحقيقها، فأما هذه الطبيعة الثانية فهي أن نقف عند حد الأداة اللغوية لا ننفُذ منها إلى شيء وراءها، فليست هي في هذه الحالة مستخدمة لتنوب عن أشياء أخرى، بل هي عندئذ تُطلب لذاتها، أرأيت طفلًا يهُم بفتح باب مغلق، فيدير مقبضه فتعجبه حركة المقبض في يده،"