الصفحة 52 من 84

خبرًا معينًا عن شيء أو عن فرد معين، بل ينقل حالة من الحالات الخالدة التي ما تنفك تتكرر كأنها قانون سرمدي في الكون وفي الناس من الأزل إلى الأبد" [1] ، يقصد أن الشاعر إذا تحدث مثلًا عما يحس به من سأم فهو لا يتحدث حينئذ عن سأمه هو فلان الفلاني، بل عن السأم البشري الذي يحسه الناس جميعًا، وسيظلون يحسونه إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، ثم يعقِّب قائلًا: إنها"حقيقة خالدة ندركها عن طريق موقف جزئي"، ليختم حديثه بقوله:"فليتغنَّ الشاعر لنفسه أو لغيره"، فهو في كلتا الحالتين يُنشد للناس أناشيد الحقائق الخالدة؟ [2] ."

هكذا ينقُضُ الكاتب كل ما قال، لكن دون أن يقر بأنه قد تراجع عن رأيه، فهو حتى آخر لحظة لا يكف عن افتعال الاستدراكات والاشتراطات واختراع القيود والحدود التي لا وجود لها إلا على لسانه فقط؛ إذ من الواضح أنه غير مقتنع بما يقول، أو إذا أحسَنَّا به الظن قد بدأ مقاله بفكرة حسبها صحيحة، لكنه كلما مضى معها خطوة بدا له شيء من عوارها حتى تبخرت تمامًا في النهاية، إلا أنه عز عليه أن يعترف بأنها فكرة متهافتة، بل ظل يدافع عنها في سفسطة عجيبة أستغرب أن يكون صاحبها هو الدكتور زكي نجيب نفسه! ومِن الطريف أن ينكر مع ذلك أن الشاعر، حين يتحدث في شعره عن سأَمِه أو حيرته أو قلقه مثلًا، إنما يخبرنا عن شيء، بل ينقل لنا حالة من الحالات النفسية ... إلى آخر ما قال، لكن ماذا بالله نسمي صنيع الشاعر هذا؟ إنه، والله العظيم ثلاثًا، إخبار لنا عن هذه الحالة، سواء قلنا: إنها حالته هو الخاصة، أو قلنا: إنها حالة البشر بوجه عام، إن الشاعر هنا إنما يريد أن يوصل لنا ما يقوله، وليست اللغة في يديه مجرد كلمات لا يشير بها إلى شيء ولا يبغي من ورائها سوى إمتاع أذنه بجرسها الموسيقي كما يدعي كاتبنا.

ليس هذا فحسب؛ فالدكتور زكي في كل نقده التطبيقي ينسى ما قاله من أن اللغة في يد الشعراء تكف عن أن تكون أداة تهبهم النشوة من خلال ما تُحدثه من جرس موسيقي تلَذُّه آذانهم، ينسى هذا كله ويُقبل على القصيدة التي ينقدها إقبال من يؤمن أنها إنما نظمت لتوصل لنا شيئًا، بل هو يقول ذلك بنفسه ولا يتركه لنا نستشفه استشفافًا، إن له مثلًا مقالًا عنوانه"فلسفة العقاد من شعره" [3] ، ولا أظن إلا أن العنوان واضح تمام الوضوح في أن العقاد قد نظم شعره ليوصل إلينا آراءه ومواقفه من الكون والحياة والناس، فهو إذًا يقول شيئًا، وليس الأمر مجرد كلمات يقوم بتقليبها وتركيبها على نحو تلَذُّه أذناه، كما أن لكاتبنا مقالًا آخر عن"شكسبير في عصره وفي كل عصر"، يؤكد فيه أن رسالة ذلك الشاعر"هي تحليل هذا التعارض العجيب الذي كأنه لازمة من لوازم النفس"

(1) السابق/ 137.

(2) السابق/ 138.

(3) السابق/ 52 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت