فهرس الكتاب
الهندي، بل هو زائد عليه، وكان مكتوبًا بالفارسية، وهذا الباب إثارة للبلبلة والاضطراب؛ حيث يشكك في إمكان الوصول إلى الحق الذي يقنع العقل ويزيل الحَيرة [1] .
وفي نهاية المطاف يقول برزويه: (حينئذٍ - بعد استعراضه لكثير من الآمال التي تصبح سرابًا - صار أمري إلى الرضا بحالي وإصلاح ما استطعت إصلاحه من عملي، ولعلِّي أصادف في باقي أيامي زمانًا أصيب فيه دليلًا على هُداي، وسلطانًا على نفسي، وقوامًا على أمري، فأقمتُ على هذه الحال) [2] .
وإذا كان ما سبق يشكك في أحقية الإسلام بالخاتمية لوفائه بحاجات الناس وتقديم الأمن لهم، فإن ابن المقفع نفسه قد نسب إليه أنه ألف معارضات القرآن، أراد بها أن يطعن في إعجاز القرآن والتحدي الذي وجَّهه الله إلى الإنس والجن؛ حيث أخبر الله سبحانه أن الإنس والجن يعجِزون عن الإتيان بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا [3] .
فإذا عرَف العرب هذا عن طريقِ الترجمة، فإن كثيرًا من الذين لا يملكون القدرة على التحليل والتعقُّل، كانوا هدفًا لسهام الزنادقة الذين وجدوا في هذه الأفكار وغيرها من فلسفات اليونان حبائلَ الشر يتصيَّدون بها مَن عبدوا الله على حرفٍ، ومَن على شاكلتهم من الضعفاء والمترددين.
ولا يقتصر أثَر الترجمة على العوامِّ، بل كان أكبر أثرها على المتجادِلين في العقائد؛ حيث وجد كل منهم سندًا لكلامه في استخدام الجدل والمنطق لإفحام خصومه [4] .
وقد انحرف هذا الجدل مما جعله لمجرد الغلبة والانتصار كما يقول الشيخ أبو حامد الإسفراييني فيما يرويه أبو حيان التوحيدي.
قال التوحيدي: سمعت الشيخ أبا حامد يقول: (لا تعلق كثيرًا ما تسمع مني في مجالس الجدل، فإن الكلام يجري فيها على ختل الخصم ومغالطته ودفعه ومغالبته، فلسنا نتكلم لوجه الله خالصًا، ولو أردنا ذلك لكان خطونا إلى الصمت أسرع من تطاولنا في الكلام) [5] .
ومثله ابن قتيبة حين وصف الجو الجدلي النفعي في زمانه، قال: (كان طالب العلم فيما مضى يسمع ليتعلَّم، وليعلم ليعمل، ويتفقَّه في دين الله لينتفع وينفع، وقد صار الآن يسمع ليجمع، ويجمع ليذكر، ويحفظ ليغالب ويفخر) [6] .
(1) مدكور، علم الكلام، 9.
(2) ابن المقفع/ كليلة ودمنة / 46، طبعة دار العودة، بيروت، د. ت.
(3) د. يحيى فرغل/ عوامل وأهداف نشأة علم الكلام: 185، 186، طبعة مجمع البحوث الإسلامية.
(4) د. قاسم السامرائي، الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية / 42، طبعة أولى، 1403 هـ - 1983 م، دار الرفاعي بالرياض.
(5) تاريخ هلال الصابي، 4 - 5، حاشية/ 1 القاهرة 1337 هـ - 1010 م.
(6) اختلاف اللفظ والرد على الجهمية؛ نقلًا عن كتاب زبدة بنت الحارث لمحمد قطب، 20 مصر 1399 هـ - 1978 م.