يشهد في ذات الوقت لجامع تلك الكمالات - ضمنيًا - بالعظمة، فيقول: (إن اتحاد صفات وضع النظريات والتنظيم والقيادة في شخص واحد هي ظاهرة من النادر جدا حدوثها في هذا العالم. وهنالك تكمن العظمة) .
وبناء على تلك الاستقراءات التي جمعها رامكرشنة راو ورصدها يصدر حكمه النهائي والأخير والمتجرد والمحايد، فيقول: (وقد شاهد العالم هذه الظاهرة النادرة تتجسد في شخص عاش على الأرض هو نبي الإسلام) .
حقًا لقد جاء حكم رامكرشنة محايدًا لأنه استهل دراسته بعدة ملاحظات تمهيدية أفصح فيها عن هندوسيته المغايرة للإسلام وأنه لم يعتنقه، كما دعا إلى محاولة المرء للتعرف على جميع أديان العالم لإنه شييء مرغوب فيه، وذلك بالروح الصحيحة، من أجل تشجيع التفاهم المتبادل والتقبل الأفضل لمن يعيشون معنا على المدى القريب والبعيد [19] .
فالثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اجتمعت فيه كمالات بلغ في كل منها الذروة، واجتماع هذه الكمالات في ذات واحدة معجزة وليس عبقرية .. فالعبقرية هي أن يتفوق الفرد في صفة واحدة وحسب .. أما أن تكون ذواته مجمع كمالات فهنا تكون"نبوة". وتكون المعجزة هى ذاته صلى الله عليه وسلم التى جمعت الكمالات وبلغت في كل كمال ذروته؛ إذ كانت ذاته كسلوك وخلق وسيرة هيَ المعجزة التى تسعى على الأرض .. كما يرى مصطفى محمود [20] أن من يرى إدراك تلك الكمالات بمستطاعة لقصور نظره إذ أنه يحسَبُها جملة واحدة، والأصح أن يعاينها مفردة .. مفردة فيظهر في ذلك التفصيل سرالإعجاز، فلئن بلغت ذات الكمال في صفة واحدة، فتبز فيها وتتفوق على أقرانها، فهذه هى العبقرية، وأما أن تمتحنه الأيام في كل صفة فتبلغ فيها غاية المدى دون مدرسة أو معلم فهذا هو الإعجاز بعينه.
ولهذا فإن تزاحم الكمالات في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتخلق تناقضًا أو تضادًا، بل تتناغم وتنسجم فيما بينها وتتكامل، وفي هذا يقول بديع الزمان النورسى [21] : (ونقطة الإعجاز أن الأخلاق الحميدة لاتتخالف ولاتتباين فيما بينها فإنها تتزاحم في درجة الكمال، فلو تفوقت إحداها ضَعُفَتْ الأخرى ... فاجتماعُ كمال الحلم مع كمال الشجاعة، وكمال التواضع مع كمال الشهامة، وكمال العدالة مع كمال المروءة والرحمة، ومنتهى