فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 147

الإقتصاد والإعتداد مع منتهى الكرم والسخاء، وغاية الوقار مع منتهى الحياء، وغاية الرأفة مع منتهى البغض في الله، وغاية العفو والصفح مع منتهى العزة بالنفس، وغاية التوكل مع منتهى الإجتهاد والسعى ... فاجتماعُ أمثال هذه الأخلاق الراقية المتزاحمة في شخص واحد كلٌ في ذروتها دفعةٌ واحدة، وانكشافها من دون تدافع وتزاحم هو"معجزة المعجزات".

نعم،"معجزة المعجزات"، إذ أن كل مفردة من الكمال هيَ بذاتها معجزة، واجتماعها في شخص واحد معجزة، وبلوغ كل مفردة من الكمال قمتها معجزة، واتساقها لا تضادها في نسق واحد معجزة ..

واجتماع تلك الكمالات في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بلُب شيخ علماء الشريعة في عصره الإمام محمد أبو زهرة [22] مقرًا بعجزه عن الإحاطة بكل الكمالات المجموعة في ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: (يا رسول الله إننا نكتب في العظماء لنصور نواحى عظمتهم، ولكل عظيم ناحية واحدة من العظمة، فالاتجاه إلى تلك الناحية هو مفتاح عظمته، فتسهل معرفته، لكنك يا رسول الله فوق عظمة الأشخاص لأن وجوه عظمتك تعددت، حتى يعجز المحصي عن الإحصاء، والمستقرى عن الاستقراء، وإذا نَفِدَتْ الطاقة أقر مطمئنًا بعجزه، ومؤمنًا بأن وجودك في هذا الوجود معجزة البشر .. فكل شيء في حياتك الأولى كان من الخوارق التي علت عن الأسباب والمسببات، فلم تكن أثر تربية موجهة، ولا أثر بيئة حاملة، ولا أثر شرفٌ رفيع، وإن كان محققًا، ولكنك كنت صنيعِ الله، فكنت معجزةً بشخصك وكونك ووجودك، ففيك البشرية، وفيك المعجزة الإلهية .. صلى الله عليه وسلم) .

المتأمل في تلك المقولات، وإن بدت أمامه مختلفة الرؤى إلا أنها كلها يضمها ويستوعبها شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فصدقه من أخلاقه، وأفكاره من شخصيته التي صنعت سيرته التي أصبحت خير مثال لأن يقتدي بها أصحابه رضوان الله عليهم، فيخرج منها هذا النور الرباني الذى ملأ الوجود من حوله صلى الله عليه وسلم، وتعطرت الدنيا بالعبق السماوي بنور الرسالة و هدي خير رسول لتؤكد عن يقين وتشهد بحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بحد ذاته معجزة الإنسانية الخالدة بل هو معجزة المعجزات أُثبِتُهاَ له كما أًثبتًها له كل من سبقوا حبًا وكرامة، دون غلو أوشطط، إن لم يكن قد شابها التقصير، فلم ترقَ إلى بلوغ عظمته التي شهد له بها ربه عز وجل في كتابه، وحسبي جهد المقل، وأن يكون ماكتبته في هذه السلسلة العطرة بنانًا تومئ إلي تلك العظمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت