2 -سماحة الإسلام مع غير المسلمين:
لقد راعى الإسلام السماحة أيضا في معاملة المسلمين لغيرهم من أصحاب العقائد الأخرى، فقال الله: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} . (1) ... فنرى في الآية كيف ميَّز الإسلام بين المحاربين له، وغيرهم ممن لا ينتصبون لقتاله، بل قرر الإسلام حماية أهل الذمة والمستأمنين ما داموا في دار الإسلام، حماية لهم وتمكينًا لعبادتهم، حتى يتم التعاون بين عنصرى الأمة، وقد أكد الإسلام على حسن معاملة غير المسلمين في مواطن كثيرة، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة". (2)
ويتضح ذلك في فتح مكة حينما دخلها رسول الله والمسلمون، وقد أتى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - سادة مكة، فقال لهم:"ما تظنون أنى فاعلٌ بكم"قالوا: أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريم. فقال قولته المشهورة والتى دان له بها أهل قريش من المشركين بعد فتح مكة، قال:"اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وها هو (عمر بن الخطاب) يعيد التاريخ ثانية حينما فتح بيت المقدس، ووقَّعَ وثيقة بينه وبين سكان البلدة والتى ذكر جزء منها القس (كولن تشابمان) (3) فى كتابه (القدس لمن؟) :"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا هو الضمان الذى مُنح لسكان"آيليا"من قِبَل خادم الله عمر، فهو يُؤَمنُهم على أشخاصهم، وبضائعهم، وكنائسهم، وصلبانهم -سواء كانت هذه في حالة سيئة- وعلى عبادتهم بصفة عامة .. ولن تُصادر كنائسهم أو تُدمر ... ولن تُفرض عليهم أى قيود في موضوع الدين، ولن يتعرض أحد منهم للمضايقة ...". (4)
فنظرة اليهود لتلك الوثيقة سجلها المؤرخ (أنجليوس رابوبورت) فى مؤلفه (تاريخ فلسطين Histoire de Palestine) فقال:"يجب أن نعترف بأن إعلانًا كهذا في بداية القرن الوسيط -وقد التزمت به كل الجيوش الإسلامية عامة- هو إعلان حافل بالإنصاف، فهو يتنفس عدالة وتسامحًا، وما استطاع أباطرة بيزنطة ولا أساقفة الكنيسة أن يُعبِّروا مُطلقًا عن مشاعر من هذا القبيل باسم ذلك الذى دعاهم إلى دين الحب .. فإن وثيقة كإعلان الخليفة كانت كفيلة بإحداث تأثير عميق، لا في روح اليهود فحسب، بل في روح نصارى سورية وفلسطين، وبعضهم كان يعانى من الظلم والطغيان، في حين كان الآخرون يعانون من اضطهاد الكنيسة التابعة"