فإذا ربطنا ما جاء في التوراة وما جاء في الإنجيل، نجد أن موسى أتى ببرهان على أنه من قبل الله، والمسيح أتى ببرهان على أنه من قبل الله.
وقد وصى المسيح في أكثر من موضع في الإنجيل -كما سبق وبينَّا- على اختبار وامتحان أى نبى يأتى إلى العالم، وذكر أنه يُعرف بما أتى به. إن أتى بالخير فهو من قبل الله وإن أتى بالشر فهو من الكذبة. فقال: من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبا، أو من الحسك تينا؟ ، قال الدكتور (وليم إدي) فى تفسير هذه الآية:"غير المسيح هنا التشبيه وعبر عن الأنبياء الكذبة بأشجار لا نفع منها. وكلامه هنا جواب لسؤال مقدر، فكأنما سُئل بماذا نعرف الأنبياء الكذبة من الأنبياء الصادقين؟ فقال ما ذُكر .. ومعناه أن المعلمين يعرفون من نتائج تعليمهم كما تظهر في حياتهم وحياة تابعيهم. فالدين الذى يعلم الناس أن يعيشوا بالتقى ويموتوا على الرجاء هو دين الحق ... فمن الحماقة أن نتوقع من الأشرار أعمالًا صالحة كما أنه من الجهل أن نتوقع الثمار الجيدة من الأشجار الرديئة ... أى نتيجة الكلام وخلاصته أن كل يعرف بثماره. يعرف المعلمون الصادقون بصلاح تعليمهم وسيرتهم الطاهرة لا بزي ملبوساتهم ولا بقدر رتبتهم ولا بكثرة تابعيهم ولا بغناهم ولا بعلمهم ولا بسلطانهم ولا بعظمة ادعائهم شرف نسبهم ولا شدة اعتنائهم بالطقوس ورونق احتفالهم بها ... وهذا ينافى زعم بعضهم أن الشرير يمكن أن يكون معلمًا مفيدًا في الدين". (1)
فهل محمد من الأشرار أم من الأخيار؟ وهل ما جاء به كان فيه النفع للبلاد والعباد أم فيه الشر والفساد؟! وهل أتى محمد ببراهين على صدقه وصدق ما جاء به أم لا؟!!
فإذا تأمل المتأمل ما قدمناه من جميل أثر هذا السيد الكريم، وحميد سيره، وبراعة علمه، ورجاحة عقله وحلمه، وجميع خصاله، التى شهد له بها القاصى والدانى، الصاحب والخصم، العربى والأجنبى، الشرقى والغربى، العالم والجاهل، المسلم وغير المسلم، لم يمتر في صحة نبوته، وصدق دعوته، فها هى براهين كثيرة قد سقناها، نذكر منها:
-القرآن معجزة المعجزات
والذى تحدى الله به الأولين والآخرين، تحدى به أهل اللغة في زمان نزوله، وأخبر بالغيبيات التى حدث منها ما يثبت صدقه، وأخبر عن القرون السالفة والأمم البائدة، ووصف اكتشافات علمية لم يكن لأحد أن يعرفها إلا من زمن قريب، وبقى على الزمن محفوظًا في الصدور قبل الصدور، وكان منهاج حياة للفرد والمجتمع يشع
منها الخير كله، وقانون تشريعى في شتى المجالات، الاقتصادية والأسرية والحربية والسياسية وغيرها. كل هذا ---
1 -الكنز الجليل في تفسير الانجيل. ص 109