الصفحة 29 من 211

فمعَ إفلاس الحضارة الغربية التى أثارت حربين عالميتين، وظهور العالم الثالث كقوة ما بين المعسكرين الشرقى والغربى، شُرع بالتفكير جديًا بوجود نظام عالمى جديد، ووجد كثير من المفكرين والمستشرقين في الغرب أن النظام الإسلامى هو مركب الإنقاذ لخلاص البشرية، وأنه يقدم السبيل الصحيح كمنظومة اجتماعية سياسية، واقتصادية روحية، يقول المفكر الإيرلندى (برناردشو) (1) :"إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد، هذا النبى الذى وضع دينه دائمًا موضع الاحترام والإجلال، فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالد خلود الأبد، وإنى أرى كثيرًا من بنى قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في القارة الأوروبية بعد هذه الحرب، وإذا أراد العالم النجاة من شروره فعليه بهذا الدين، إنه دين التعاون والسلام والعدالة في ظل شريعة محكمة، لم تدع أمرًا من أمور الدنيا إلا رسمته ووزنته بميزان لا يخطئ أبدًا". (2)

إن الإسلام في القرن العشرين، أخذ يظهر كقوة عالمية يستمد قوته، ليس من القدرة العسكرية الاقتصادية، التى تحمل مخاطر إشعال الحرائق والحروب تنافسًا على الثروة، وفرضًا لمبدأ الهيمنة، بل كمقدم لمشروع حضارى إنسانى متكامل، حاملًا الخلاص للعالم، والنجاة للإنسانية المهددة بالإنهيار الروحى والتشويه الإنسانى، وانحطاط القيم الثقافية والحضارية ... يقول المفكر الفرنسى (مارسيل بوازار) (3) فى كتابه (إنسانية الإسلام) :"وتسمح ديمومة القناعة الدينية بالتشديد على صلاح الإسلام للزمن الراهن عن طريق أمثلة مستقاة من الحقبة المعاصرة ومن الماضى، وقد احتفظنا من القانون الإسلامى بما اعتبرناه ثابتًا لا يتحول، لا بوصفه قواعد ابتدعها أو استنتجها الفقهاء، إنما بوصفه تعبيرًا عن إجراء روحى مرتبط بحضارة خاصة، وجوهر لقانون وهبه الخلاق العليم جل جلاله، فهو من هذه الناحية، وبصورة عامة جدًا، مثالى وثابت، وهكذا اهتم التفكير القانونى بالمحافظة على النظام المجتمعى أكثر من اهتمامه ببناء مجتمع، وراح يتطور مع نمو المجتمع، وأكسبه مظهره الذممى مرانًا كبيرًا، ولم يعمل المظهر القانونى على عكس صورة عن الواقع بالتطابق مع الأحداث، بل كان مفروضًا فيه على العكس أن يوجهها بوصفه علمًا نظريًا مرتبطًا مع الأحداث، بل كان مفروضًا فيه على العكس أن يوجهها بوصفه علمًا نظريًا مرتبطًا بجوهر القانون -الوحي- وخاضعًا له، كما أن الأغصان جزء من الشجرة، وقد كان من الممكن أن تتلاقى الواقعية العملية الممارسة في حدود الأطر التى فرضها نظام أسمى اقتصار القانون على مَثَلٍ أعلى مجرد أو على نمط سلوك لا يمكن بلوغه، وباختصار، بدا لنا أن روح القانون الإسلامى أصلح لبحثنا من طريقة تطبيقه". (4)

1 -جورج برنارد شو ... أيرلندى، كاتب وأديب مسرحى. 2 - هذا هو الإسلام كما أراه. ص 51 - نقلًا عن (مجلة الذكرى، عدد 7 دورة 1) .

3 -... مفكر وقانونى فرنسى معاصر 4 - المرجع السابق. ص 51،52 - نقلًا عن كتاب (إنسانية الإسلام / مارسيل بوازار. ص 422،423) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت