فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 328

ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك قدرا، فلا حجة لهم فيها لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة.

ثم إنه تعالى قد أخبر أنه عير عليهم، وأنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل؛ فلهذا قال: (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) أي: اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (محمد: 10) ، (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) (الملك: 18) .

ثم أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم، إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كما قال تعالى: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) (المائدة: 41) ، وقال نوح لقومه: (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) (هود: 34) ، وقال في هذه الآية الكريمة: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) كما قال تعالى: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأعراف: 186) ، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ) (يونس: 96، 97) .فقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ) أي: شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فلهذا قال: (لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) أي: من أضله فمن الذي يهديه من بعد الله؟ أي: لا أحد (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) أي: ينقذونهم من عذابه ووثاقه، (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 54) .

أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ يَجْزِمُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَقْطَعُونَ بِهِ وَلَا يَرْتَابُونَ وَكُلُّ مَا عَلِمَهُ الْمُسْلِمُ وَجَزَمَ بِهِ فَهُوَ يَقْطَعُ بِهِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَادِرًا عَلَى تَغْيِيرِهِ فَالْمُسْلِمُ يَقْطَعُ بِمَا يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ وَيَقْطَعُ بِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ وَإِذَا قَالَ الْمُسْلِمُ أَنَا أَقْطَعُ بِذَلِكَ فَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِهِ بَلْ مَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ إمَاتَةِ الْخَلْقِ وَإِحْيَائِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَعَلَى تَسْيِيرِ الْجِبَالِ وَتَبْدِيلِ الْأَرْضِ غَيْرِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَاَلَّذِينَ يَكْرَهُونَ لَفْظَ الْقَطْعِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ هُمْ قَوْمٌ أَحْدَثُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّيْخُ يُنْكِرُ هَذَا، وَلَكِنْ أَصْلُ هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَثْنُونَ فِي الْإِيمَانِ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَسْتَثْنُونَ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ. صَلَّيْت إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمُرَادُ السَّلَفِ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءِ إمَّا لِكَوْنِهِ لَا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَيَشُكُّ فِي قَبُولِ اللَّهِ لِذَلِكَ فَاسْتَثْنَى ذَلِكَ أَوْ لِلشَّكِّ فِي الْعَاقِبَةِ أَوْ يَسْتَثْنِي لِأَنَّ الْأُمُورَ جَمِيعَهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت