الصفحة 69 من 82

أَنْفُسَهُمْ [النساء: 107] مثل قوله: {إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] ، وقد ذهب الكوفيون وابن قتيبة إلى أنَّ مثل هذا منصوبٌ على التمييز وإن كان معرفة، وقد ذكروا لذلك شواهد كثيرة من كلام العرب، مثل قولهم:"آلم فلانٌ رأسَه"، و"وجع بطنَه"، و"رشد أمره"، ومنه: قوله تعالى: {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58] فالمعيشة نفسها بطرت، وقوله: {سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] ، معناه: سفهت نفسه، أي: كانت سفيهة، فلمَّا أضاف الفعل إليه [1] نصبها على التمييز.

وهذا الذي قاله الكوفيون أصحُّ في اللغة والمعنى، فإن الإنسان هو السفيه نفسه، كما قال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} [البقرة: 142] ، كذلك قوله: {تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187] أي: تختان أنفسكم، فالأنفس هي اختانت، كما أنَّها السفيهة، وقال:"اختانت"ولم يقل:"خانت"، لأنَّ الافتعال فيه زيادة على ما في مجرد الخيانة).

قال في أثناء كلامه: (أو يكون قوله: {تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187] أي: يخون بعضكم بعضًا، كقوله: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] ، فإنَّ السارق وأعوانه خانوا إخوانهم المؤمنين، والمجامع إذا جامع امرأته [وهي لا تعلم] [2] أنَّه حرامٌ فقد خانها) .

قال: (والأوَّل أشبه، والنفس هي خانت، فإنَّها تحب الشهوة والمال والرئاسة، و"خان"و"اختان"مثل:"كسب"و"اكتسب"، فجعل الإنسان مختانًا، ثمَّ بيَّن أنَّ نفسه هي التي تختان، كما أنَّها هي

(1) في"الفتاوى": (فلما كان الفعل [] ) ونبه مصصحها -رحمه الله- على أنه وقع فيها بياض.

(2) في الأصل: (وهو لا يعلم) ، والتصويب من"الفتاوى".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت