الصفحة 163 من 453

لقنت الحرب العالمية الأولى الحكومات درسا في مجال العلاقات بين الدول، حيث اتضح لها أن تعبئة الجيوش وتزويدها بأحدث الأسلحة لم تعد كافية لضمان النصر، وأن هناك عامل تفوق قوته قوة الأسلحة الثلاثة التقليدية، هذا العامل هو السلاح النفسي، الذي بإمكانه شل كل الأسلحة والتقليل من شأنها، ويتمثل في الدعاية لتحطيم الروح المعنوية

الأفراد الجيوش وهزم إرادتهم والسيطرة عليها.

بعد إدراكها لحقيقة مدى قوة الدعاية وفعالياتها، عملت الحكومات والأنظمة على إحداث أجهزة ومؤسسات للتكفل بالحملات الدعائية، وبعد اكتشافها لمدى قوة الرأي العام، أدركت حقيقة وزنه، وحدود تأثيره، فالرأي العام حسب حامد ربيع (1) لم يعد فقط وسيلة لتحديد أبعاد الحركة السياسية، بل وأساس الشرعية السلطوية، ولم يعد الحاكم أو السلطة الحاكمة تنظر إلى قوة الرأي العام على أنها عامل ثانوي للوجود السياسي، وإنما أصبحت تؤمن بأن الرضا من جانب الطبقات العريضة للشعب هي ضمان الاستقرار ومزاولة السلطة ومساندة الإرادة الحاكمة، وحيث لا يمكن الحصول على الرضا بأسلوب الصراحة والحقيقة، تكون الخديعة والكذب وسيلة الافتعال حركة الاستحواذ على مفاتيح السلطة والسلطان.

(1) د. ربيع حامد عبد الله نظرية الدعاية الخارجية، نص المحاضرات التي ألقيت على طلبة قسم البكالوريوس، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، مصر، 1972.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت