رغم اختلاف الأنظمة في نظرتها إلى الدعاية، إلا أنها تتفق على أهميتها وقيمتها وضرورة اللجوء إليها لتحقيق مصالح معينة. لكن، إلى أي مدى يمكن للرأي العام التأثر بالدعاية؟ وإلى أي مدى يمكن للحكومات استخدام وسائل الدعاية المتعددة والمختلفة للتأثير في الرأي العام؟
إن القارئ المتمعن لكتاب (روح الاجتماع) للمفكر غوستاف لوبون (1) ، يصطدم بمدى قابلية الجماعة للتأثر، وبضعف مقاومتها للمؤثرات الخارجية، وسرعة استجابتها للغرائز والميولات والعواطف، وقد أوضح غوستاف لوبون أهم العوامل المسيطرة على الجماعة، وهي كلها عوامل تستخدمها الدعاية للتأثير في استجابات الجماعة والرأي العام.
من هذه العوامل، الصبغة الدينية التي تتكيف بها اعتقادات الجماعة والتقاليد، فالتعصب لازم دائما كل شعور ديني، وتتميز معتقدات الجماعة بالخضوع الأعمى والتعصب الوحشي والإكراه في الدعوة، وهي صفات تصاحب الشعور الديني، وما البطل الذي تهلل الجماعة له إلا إله في نظرها، أما التقاليد، فما هي إلا أثر بسيط من العدوى، والعدوى هي الأصل في انتشار أفكار الجماعات ومعتقداتها، لا الحجج والبراهين، فالجماعة جسم مهيكل ومنظم أوجده الماضي وتقوده التقاليد، لأن الأفراد يؤمنون بالمثال أكثر من البرهان، والفرد كالحيوان يميل بطبعه إلى التقليد، شرط أن يكون هذا التقليد سهلا.
تبين لدى غوستاف لوبون عند البحث، أن الجماعات تتأثر كثيرا بالصور التي يسهل استحضارها في الذهن، خاصة إذا كان رجل الدعاية يتقن استعمال الألفاظ، وأن الحكام كالمحامين، تكمن قوتهم في اختيار الكلمات وكيفية استعمالها، وقد لاحظ تين أن اليعقوبيين استطاعوا باسم
(1) لوبون غوستاف، روح الإجتماع، ترجمة أحمد فتحي زغلول باشا، موفم للنشر، الجزائر، 1988.