على الرد عليها، لعرض في الأخير كنتيجة معبرة عن انشغالات الرأي العام، وهذا زيف للحقائق.
مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان معظم العلماء يأملون في الاقتراب من الحقيقة بالانتقال من نظرية إلى أخرى مما يسمح بفهم الكثير من الأحداث، غير أن رجل العلم تيقن اليوم أن النظريات والفرضيات المتراكمة يمكن أن لا تعيش إلا حياة عابرة، فقبل سنوات كان يعتقد الفلاسفة أن إعادة النظر في الحتمية معناه إفلاس كل العلوم، لكن بعد تطور مناهج البحث وأدوات الدراسة، توصلوا إلى أكذوبة فكرة الحقيقة المطلقة للمعرفة العلمية، غير أن العلماء مازالت تسيطر عليهم فكرة (السبب. النتيجة كما أوضح الأستاذ توبيانا(Maurice TUBIANA) (1) الذي كشف أن الباحثين أصبحوا اليوم يلجأون إلى ما أسماه العلب السوداء (Boites noires) ، حيث يدخلون عبرها الأسباب ليخرجوا منها النتائج، دون الأخذ بعين الاعتبار ما يجري داخل العلبة، وهذه الطريقة تنتهجها كل العلوم، وانطلاقا من فكرة العلبة السوداء، نجد أن للدعاية أيضا(علبتها السوداء الخاصة بها، فالجهة القائمة بالدعاية تدخل عدة عناصر ومقومات اجتماعية وثقافية وسياسية ومشكلة وخلافات داخل العلبة السوداء الشنتج لنا رأيا عاما دون توضيح حقيقته وسبب تكوينه والغاية من وجوده.
إن قوة الدعاية في عملية تكوين الرأي العام لاتقل أهمية بالمقارنة مع المقومات الأخرى، خاصة وأن الدعاية أصبحت اليوم أساس الملك بعدما تعاظم نفوذ وسائل الإعلام والاتصال، وأصبح من يتحكم فيها يمتلك السلطة، وعلى الدارسين التوغل أكثر في عمق العلبة السوداء)لاكتشاف مالايمكن أبدا إظهاره أو البوح به.