وتعرضت منذ ثمانينات القرن التاسع عشر للاستعمار الصهيوني المكثف والمتسارع.
وأخذت مدها تنمو وتتسع، بانتقال الأثرياء والأسر الإقطاعية في الريف إليها والإقامة الدائمة فيها. وبظهور طبقة متنامية فيها من التجار الوسطاء وأصحاب المهن والمتعلمين ألفت طبقة وسطي ميسورة الحال.
وساهمت القوانين العثمانية، ولا سيما قانون الأراضي (الطابو) لسنة 1858، والقانون الصادر سنة 1867 الذي منح الأجانب حق حيازة الأراضي وامتلاكها في الدولة العثمانية في تشجيع الاستعمار الصهيوني في فلسطين، وفي توسيع ملكية الأسر الثرية وكبار موظفي الدولة وشيوخ العشائر للأراضي الأميرية وأراضي الجفتلك التي يملكها السلطان. وكان من نتائج ذلك تقلص الملكيات الصغيرة والأميرية لصالح الملكيات الكبيرة. ففي العقد الثاني من القرن العشرين كانت (140) أسرة عربية تمتلك من الأراضي ما مساحته (3) ملايين و (130) ألف دونم، أي بمعدل (22) ألف دونم للأسرة الواحدة. وكان (28) ملاكا في قضائي بشر السبع وغزة يملكون أكثر من مليوني دونم. وأملاك أسرة الحسيني في مختلف أنحاء فلسطين بخمسين ألف دونم، وأملاك أسرة التاجي الفاروقي في منطقة الرملة خمسين ألف دونم، وأملاك أسرة الشوا في منطقة غزة بمئة ألف دونم. وكانت أسر الغصين وأبو خضرة والفاهوم والطبري ذات أملاك واسعة.
انتعشت حركة الاستيراد والتصدير في المدن الفلسطينية وظهر التمايز جليا بين الأثرياء والأعيان والبرجوازية التجارية الصاعدة من جهة، والفئات الفقيرة من العمال والحرفيين من جهة أخرى.
وكان الاقتصاد العربي منعزلا عن الاقتصاد اليهودي. وبلغ عدد المستعمرات اليهودية عام 1914 أربعين مستعمرة زراعية منتشرة في ألوية عكا ونابلس والقدس ولا سيما في منطقة الجليل وفي الساحل. وكان أقدم هذه المستعمرات"مكفة إسرائيل" (Mikvet Israel) التي أسسها الاتحاد اليهودي العالمي في باريس سنة 1870، كمدرسة زراعية لأبناء اليهود. وقد منحت الحكومة العثمانية هذه الجمعية (625) فدانا من الأرض قرب مدينة يافا. وتلاها تأسيس مستعمرة"بتاح تكفا" (Petah Tekveh) التي كانت أكبر المستعمرات الصهيونية