الصفحة 262 من 272

لقد شعر الجيش الثالث منذ اللحظة التي تسلم فيها «باتون» زمام القيادة بفرقعة السوط. إذ لا شك أن الخبرة التي اكتسبها «باتونه في تونس وفي صقلية أكدت قناعته بان الحاجة إلى النظام تفوق كل الاعتبارات الأخرى،

وسرعان ما تعلم الجنود أنه لا يوجد في نظر «باتون» إلا نوع واحد من الأنظمة هو النظام التام. والدليل الخارجي له يظهر في الملابس الأنيقة والنظافة الشخصية والحلاقة حيثما أمكن ذلك ولو كان في سعير المعركة أما الضابط الذي لا يستطيع تأكيد شخصيته من خلال الحفاظ على معاييره الرفيعة بضرب المثال للآخرين وإبقاء صوته عالية، يصبح في عداد المحكوم عليهم والمرذولين في نظره، لقد أعلن «باتون» أمام الجميع أن الهدف الأول والرئيسي من النظام هو تحقيق التنبه واليقظة، فالانسان الخامل الذي يفشل في تأدية التحية يقع فريسة سهلة في يد العدو وعندما لا يكون الجنود في حالة القتال كان «باتون» يصر على أن يؤدي الجنود جميع المراسم الشكلية من امتطاء الحرس لظهور الخيل واطلاق البوق لايقاظ الجند في الصباح وإنزال العلم والجند تحت السلاح وما إلى ذلك من أمور يبتكرها وسيلة لغرز التنبه في النفس والتأهب للمعركة وبدونها لا يمكن إحراز النصر. مع ذلك لم يكن «باتون، مفسد بهجة، فهو نفسه لم يكن متقشفة كلية ولم يظهر أي علامة من علامات الحماس التي أظهرها قادة الجيوش الأمريكية الأخرى فيما يتعلق بمنع تعاطي المشروبات الكحولية، والواقع أنه لم يكن بعيدأ ذلك اليوم الذي سيتمتع جيشه بأعظم حظ فيستولي على كميات هائلة من المشروبات وقد كتب عليها بأنها: مدخرة للقوات المسلحة الألمانية، كما أنه لم يعامل جنوده کالأطفال بجعل المدن والقرى خارج حدود زياراتهم. لم يكن «باتونه أحمق کما لم يكن مفرطة في الاحتشام. وعندما كان يطرح أمرا على بساط البحث كان يتقبل جميع التعليقات والاقتراحات ممن هم أدنى منهم. أما عندما يصل إلى قرار ويصدر أمرا فانه لا يجيد عن رأيه مطلقة. علاوة على ذلك لم يحاول مطلق اضعاف حيوية مرؤسيه باصدار أوامر تتجاوز الحدود أكثر مما يجب وهو الأمر الذي ينجم عنه تخفيض مكانتهم الشخصية وحرمانهم من مبادراتهم الشرعية وبذلك عرف جنود الجيش الثالث بأسره، منذ أيامهم الأولى في انكلترا، معرفة تامة حدود سلطتهم الفردية والمسؤولية الملقاة على كل منهم. فهم لم يكتشفوا تميمة (تجلب الحظ) بل رئيسة عظيها.

في «بوفر» تمكن «باتون» بفضل هيئة أركانه الفعالة ونظام القيادة الواضح من البقاء على اتصال يومي مع جنوده دون ان يتورط بالتفاصيل غير المجدية وبذلك وفر وقتا للتفكير والتخطيط، كما انه عمد إلى دراسة حملات «ولينغتون» وتاريخ الفتوح النورماندية بقلم فريمان - قرأ مجلداته الستة بما في ذلك الفهرس. في هذا الوقت زاره الناقد العسكري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت